أقلام بوست

د.الفواز تكتب : عندما تصبح الآلة موظفًا… من يدفع ثمن البطالة الرقمية؟

عمان بوست – بقلم د. تغاريد محمد الفواز
رئيس أكاديمية دمشق للتدريب والوعي المجتمعي

لم يعد السؤال اليوم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يؤدي عمل الإنسان؟

لقد تجاوزنا هذا السؤال.

السؤال الأكثر إلحاحًا أصبح: ماذا سيحدث للإنسان عندما تستطيع الآلة أن تؤدي جزءًا من عمله أسرع منه، وأرخص منه، وعلى مدار الساعة؟

نحن أمام تحول اقتصادي واجتماعي لا يشبه مجرد إدخال جهاز جديد إلى مكان العمل. الذكاء الاصطناعي بدأ يعيد تعريف الوظيفة نفسها، ويغيّر احتياجات الشركات، ويضع بعض المهن أمام اختبار لم تكن مستعدة له.

وهنا يظهر وجه آخر للثورة الرقمية قلما نتوقف عنده طويلًا: البطالة التكنولوجية.

— وظيفة لا تختفي دفعة واحدة

قد نتخيل أن البطالة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تعني أن تستيقظ مؤسسة ما في الصباح وتستبدل موظفيها جميعًا بالآلات.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

الوظيفة غالبًا لا تختفي في لحظة، وإنما تبدأ بعض مهامها بالاختفاء.

موظف كان يقضي ساعات في إدخال البيانات أصبحت الآلة تؤدي الجزء الأكبر من مهمته. ومصمم كان يحتاج أيامًا لإنجاز بعض الأعمال أصبح يستطيع إنتاج نماذج أولية خلال دقائق. ومترجم أو كاتب محتوى أو موظف خدمة عملاء بات ينافس أدوات تستطيع إنجاز قدر كبير من الأعمال الروتينية بسرعة غير مسبوقة.

وهكذا قد تبقى الوظيفة باسمها، بينما يتراجع عدد الأشخاص اللازمين لأدائها.

وهذه ربما تكون الصورة الجديدة للبطالة: ليس اختفاء المهنة دائمًا، وإنما تقلص الحاجة إلى عدد العاملين فيها.

— الأرقام لا تقول إن النهاية اقتربت

الحذر ضروري عندما نتحدث عن «بطالة الذكاء الاصطناعي».

فمنظمة العمل الدولية قدّرت في دراستها لعام 2025 أن نحو واحد من كل أربعة عاملين عالميًا يعمل في مهنة تتعرض بدرجة ما لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن التحول في طبيعة الوظائف أكثر احتمالًا من اختفائها الكامل.

وهذه نقطة مهمة.

فالذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة نهاية العمل، ولكنه يعني أن كثيرًا من الأعمال لن تبقى كما عرفناها.

كما يتوقع تقرير «مستقبل الوظائف 2025» للمنتدى الاقتصادي العالمي أن تؤدي مجموعة من التحولات الكبرى في سوق العمل، ومنها التطورات التقنية، إلى إزاحة نحو 92 مليون وظيفة حتى عام 2030، مقابل استحداث نحو 170 مليون وظيفة جديدة.

أي أن العالم قد يخلق وظائف أكثر مما يفقد، لكن المشكلة ليست في العدد فقط.

هل الشخص الذي فقد وظيفته القديمة قادر على أداء الوظيفة الجديدة؟

هنا تكمن الأزمة.

— العامل الذي لم يحصل على فرصة ثانية

من السهل أن نقول للعامل: «طوّر مهاراتك».

ولكن هل نمنحه فعلًا الأدوات التي تمكنه من ذلك؟

ماذا عن الموظف الذي قضى عشرين عامًا في وظيفة إدارية ثم اكتشف أن الجزء الأكبر من مهامه أصبح مؤتمتًا؟

وماذا عن شاب تخرج بتخصص اكتشف بعد سنوات قليلة أن سوق العمل لم يعد يحتاجه بالشكل نفسه؟

وماذا عن المؤسسات التعليمية التي ما زالت تخرّج طلابًا لسوق عمل يتغير بسرعة أكبر من المناهج؟

المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي وحده.

المشكلة تبدأ عندما تتطور التكنولوجيا بسرعة، بينما يبقى التعليم والتدريب وسياسات سوق العمل في المكان نفسه.

عندها لا نصنع تقدمًا تقنيًا فقط، بل نصنع أيضًا فجوة جديدة بين من يستطيع اللحاق بالتغيير ومن يبقى خارجه.

— البطالة قد تبدأ من المهارة

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف البطالة في عصر الذكاء الاصطناعي.

فالعاطل عن العمل في المستقبل ليس بالضرورة إنسانًا لا يحمل شهادة أو خبرة.

قد يكون شخصًا متعلمًا وخبيرًا، لكن مهاراته لم تعد مطلوبة بالطريقة نفسها.

وهذا ما يجعل الأزمة أكثر حساسية.

إننا قد ننتقل من مشكلة «قلة الوظائف» إلى مشكلة عدم توافق المهارات مع الوظائف الجديدة.

وسيصبح التعلم المستمر ضرورة، لا خيارًا إضافيًا يوضع في السيرة الذاتية.

فالشهادة التي حصل عليها الإنسان قبل عشر سنوات لن تكون ضمانًا لاستمرار قيمته المهنية عشر سنوات أخرى إذا لم تتطور معها مهاراته.

— ماذا عن عالمنا العربي؟

في الدول العربية تصبح المسألة أكثر أهمية؛ لأن أسواق العمل تعاني أصلًا من تحديات في البطالة، وفرص الشباب، والفجوة بين التعليم واحتياجات المؤسسات.

وتشير منظمة العمل الدولية في تحليلها للأسواق العربية إلى أن خطر فقدان الوظائف على نطاق واسع بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس السيناريو الأكثر ترجيحًا، لكن التحول الرقمي يمكن أن يعمق أوجه عدم المساواة إذا لم تصاحبه سياسات تدريب وتأهيل عادلة.

وهذا يعني أن انتظار الأزمة حتى تقع ليس خيارًا حكيمًا.

نحن بحاجة إلى تعليم يعلّم الطالب كيف يتعلم، لا كيف يحفظ فقط.

ونحتاج إلى تدريب مهني مستمر للموظف، لا دورة يحصل بعدها على شهادة ويعود إلى عمله كما كان.

كما تحتاج المؤسسات إلى اعتبار إعادة تأهيل العاملين جزءًا من مسؤوليتها عند إدخال التقنيات الجديدة.

— هل نعاقب الإنسان لأن الآلة أصبحت أسرع؟

هذه القضية ليست اقتصادية فقط، بل أخلاقية أيضًا.

إذا وفرت مؤسسة ملايين الدولارات بفضل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، فمن العادل أن نسأل: هل يجب أن يذهب كل هذا المكسب إلى المؤسسة وحدها، بينما يتحمل العامل وحده ثمن التحول؟

التكنولوجيا ينبغي أن ترفع إنتاجية الإنسان وتحسن حياته، لا أن يصبح تقدمها سببًا لإقصائه من سوق العمل دون فرصة جديدة.

ولهذا فإن مسؤولية المرحلة لا تقع على الموظف وحده.

الحكومات مسؤولة عن سياسات التدريب والحماية الاجتماعية.

والمؤسسات مسؤولة عن إعادة التأهيل قبل الاستغناء.
والجامعات مسؤولة عن تحديث برامجها.
والفرد مسؤول عن ألا يتوقف عن التعلم.
— لسنا أمام نهاية العمل
لن يكون المستقبل بلا وظائف، لكنه بالتأكيد لن يحمل الوظائف نفسها بالشكل الذي اعتدناه.
ستختفي مهام، وستتقلص مهن، وستنشأ مهن أخرى لم نكن نعرف أسماءها قبل سنوات قليلة.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نخاف من الذكاء الاصطناعي ونرفضه، أو أن ننبهر به إلى درجة تجاهل من قد يدفع ثمنه.
التحدي الحقيقي ليس أن نجعل الإنسان ينافس الآلة في السرعة؛ لأنه غالبًا سيخسر هذه المنافسة.
التحدي أن نستثمر فيما لا ينبغي أن نفقده: العقل النقدي، والإبداع، والقيادة، والرحمة، والحكم الأخلاقي، والقدرة على التعامل مع الإنسان.
فالذكاء الاصطناعي قد يغير خريطة الوظائف، لكنه لا ينبغي أن يرسم وحده خريطة مصير البشر.
وحين تصبح الآلة موظفًا أكثر كفاءة في بعض المهام، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط: كم ستوفر المؤسسة؟

بل أيضًا:

ماذا سنفعل بالإنسان الذي لم تعد وظيفته كما كانت؟
وهذا، في رأيي، هو السؤال الاجتماعي والاقتصادي الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي.

د. تغاريد محمد الفواز
رئيس أكاديمية دمشق للتدريب والوعي المجتمعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى