أ.د.الفاهوم يكتب : المقريزي… الرجل الذي لم يمرّ من أمام الحياة عابرًا

عمان بوست – بقلم الاستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
في هدوء الجمعة، حين تخف ضوضاء الأسبوع، يستحق أن نستعيد رجلًا عاش قبل أكثر من ستة قرون، سار في طرقات القاهرة ودخل أسواقها وتأمل عمرانها وأحوال أهلها، لكنه لم يرَ الأشياء كما يراها العابرون.
كان اسمه تقي الدين أحمد بن علي المقريزي. عاش المقريزي زمنًا شهد اضطرابًا وغلاءً وأزمات قاسية مست حياة الناس. وكان يستطيع أن يسجل ما حدث ويمضي، لكنه اختار السؤال الأصعب: لماذا حدث ذلك؟
من هنا بدأت فرادة تجربته. لم يرَ التاريخ سجلًا للحكام والمعارك، بل حياةً كاملة تتحرك أمامه. كان السوق عنده وثيقة، والسعر مؤشرًا، والنقود مفتاحًا لفهم الاقتصاد، والعمران ذاكرة للمجتمع. أدرك أن قرارًا يُتخذ بعيدًا عن الناس قد يصل أثره في النهاية إلى لقمة الفقير واستقرار أسرته.
وحين اشتدت الأزمات، حاول أن يبحث خلف ظاهرها. كتب في “إغاثة الأمة بكشف الغمة” عن الغلاء والنقود والإدارة والفساد والاختلال الاقتصادي. وقد يناقش الباحثون اليوم بعض تفسيراته وفق أدوات الاقتصاد الحديث، لكن قيمة منهجه بقيت في شجاعة السؤال والبحث عن الأسباب بدل الاكتفاء بوصف النتائج.
وفي “الخطط” فعل شيئًا لا يقل أهمية. حفظ ذاكرة المكان. دوّن الأحياء والأسواق والمساجد والمنشآت والطرق وتحولات القاهرة ومصر، وكأنه أدرك مبكرًا أن المدن، مثل البشر، تفقد شيئًا من ذاكرتها حين لا تجد من يكتب قصتها. ولو امتلك المقريزي أدوات عصرنا، من قواعد البيانات والخرائط الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي، لكانت أمامه إمكانات هائلة. لكنه امتلك ما هو أسبق من الأداة: عينًا تلاحظ، وعقلًا يشك ويسأل، وصبرًا يجمع الشواهد، وضميرًا يرى في المعرفة مسؤولية.
وهنا تصبح قصته شديدة الصلة بعصرنا. فنحن لا نعاني اليوم من ندرة المعلومات، بل من فيضها. تصلنا الأخبار والأرقام والصور والآراء كل دقيقة، وقد نعرف عن العالم أكثر من أي جيل سبقنا، لكن كثرة ما يصل إلينا لا تضمن أننا نفهمه. نقرأ العنوان، ونكوّن الموقف، ونشارك الخبر، ثم ننتقل إلى غيره قبل أن نسأل: ماذا حدث فعلًا؟ ولماذا؟
ولو كان المقريزي بين شبابنا اليوم، فربما لم يبدأ بتعليمهم التاريخ، بل بتعليمهم كيف يرون.
أن ينظر الطالب إلى مدينته ويسأل لماذا تزدهر مهنة وتتراجع أخرى، ولماذا ينجح مشروع ويفشل آخر، ولماذا يحتاج سوق العمل إلى مهارة لا تزال قاعات الدراسة بعيدة عنها. وأن يتعلم الباحث الفصل بين الدليل والانطباع، وأن يدرك المسؤول أن الأرقام ليست زينة للتقارير، بل إشارات إلى حياة الناس واحتياجاتهم. وهذا هو جوهر المعرفة التي نحتاجها اليوم: ألا نُخرّج حافظًا للمعلومة، بل إنسانًا يستطيع قراءتها ونقدها وربطها بالواقع وتحويلها إلى قرار أو حل أو قيمة.
وينطبق ذلك على مؤسساتنا أيضًا. كم من تجربة ناجحة انتهت بخروج أصحابها لأنها لم توثق؟ وكم من خطأ تكرر لأن أحدًا لم يسأل لماذا وقع في المرة الأولى؟ وكم من قرار بُني على الانطباع بينما كانت الأرقام تقول شيئًا آخر؟
المؤسسة التي لا تحفظ تجربتها تبدأ كل مرة من الصفر، والمجتمع الذي لا يقرأ أخطاءه قد يكررها بأسماء جديدة.
لهذا فإن المقريزي ليس مجرد مؤرخ نقرأه لنستعيد القاهرة القديمة. إن قيمته الأعمق أنه يذكرنا بمسؤولية الإنسان تجاه زمنه: أن يكون شاهدًا واعيًا عليه، لا متلقيًا سلبيًا لأحداثه. أن يرى ما وراء الظاهر، وأن يسأل قبل أن يحكم، وأن يوثق قبل أن تنطفئ الذاكرة، وأن يحول التجربة إلى معرفة يستطيع غيره أن يبدأ منها. ولعل هذه هي رسالة الجمعة التي تركها لنا رجل رحل منذ قرون دون أن يقصد أن يكتبها لنا:
لن نستطيع أن نوقف الزمن، لكننا نستطيع ألا نسمح له أن يمر بنا دون أن نفهمه. فالأيام تمضي، والمواقع تتغير، والوجوه تغيب، ولا يبقى من الإنسان طول حضوره، بل صدق ما فهم، ونفع ما علّم، وأثر ما ترك.
فلا تكن عابرًا في زمنك.
راقب بعين واعية، واسأل بعقل حر، واعمل بضمير، واترك لمن يأتي بعدك معرفةً تنير له الطريق وأثرًا يدعو لك حين لا تكون هناك.



