د. الفاهوم يكتب : حين صنعت بغداد الورق… كيف تتحول الحاجة إلى ريادة؟

عمان بوست – بقلم الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
قبل أكثر من ألف عام، لم تكن في بغداد حاضنات أعمال أو شركات ناشئة بالمفهوم الذي نعرفه اليوم، ولم تكن مصطلحات الريادة والابتكار ونماذج الأعمال متداولة. ومع ذلك، كانت المدينة تمارس جوهر الريادة: تلتقط الحاجة، وتتعلم التقنية، وتطورها، ثم تحولها إلى صناعة وقيمة وأثر.
في العصر العباسي، كانت بغداد تنمو مركزًا للإدارة والتجارة والعلم. دواوين الدولة تحتاج إلى السجلات، والتجار يوثقون معاملاتهم، والعلماء يؤلفون، والمترجمون ينقلون المعارف، والطلاب يبحثون عن الكتب. كانت حركة المعرفة تتسع، وكان لا بد من وسيلة عملية تحمل هذا التدفق المتزايد من الكلمات والأفكار.
لم يُخترع الورق في بغداد. فقد عرف الصينيون صناعته قبل ذلك بقرون، وانتقلت تقنياته عبر آسيا، واشتهرت سمرقند بصناعته في العالم الإسلامي. لكن ما حدث لاحقًا يقدم درسًا مهمًا في الابتكار: فالقيمة ليست دائمًا في أن تكون أول من اخترع الفكرة، بل قد تكون في أن تعرف كيف تنقلها، وتكيفها، وتحسن استخدامها، وتبني حولها سوقًا يخدم حاجة حقيقية.
وجد الورق في البيئة العباسية مستفيدين حقيقيين: الكاتب والعالم والتاجر والطالب وموظف الديوان والورّاق. ومع ازدياد استخدامه، لم يعد مجرد مادة للكتابة، بل أصبح جزءًا من حركة اقتصادية ومعرفية أوسع. ازدهرت مهن النسخ والوراقة والتأليف والترجمة وتجارة الكتب، واتسعت دوائر تداول المعرفة.
وهنا يظهر درس الريادة الأول: ابدأ بالحاجة، لا بالفكرة.
فالمشروع الناجح لا يولد لأن صاحبه أحب تقنية معينة، بل لأنه وجد مشكلة تستحق الحل، ومستفيدًا يرى قيمة في هذا الحل. والابتكار الحقيقي يبدأ عندما تتحول المعرفة إلى منفعة يستخدمها الناس.
أما الدرس الثاني فهو أن السوق هو المختبر الأكبر للفكرة. استخدام الناس للورق وازدياد الطلب عليه كانا بمثابة “التغذية الراجعة” التي يتحدث عنها رواد الأعمال اليوم. فالعميل الذي يستخدم منتجك ويعود إليه يخبرك عمليًا أن هناك قيمة. والذي يتركه أو يطلب تحسينه يمنحك معلومة قد تكون أهم من عشرات الدراسات النظرية.
ثم يأتي السؤال الأصعب: ماذا بعد نجاح التجربة الأولى؟
هنا تبدأ مرحلة التوسع. لم يعد الأمر متعلقًا بإنتاج كمية محدودة من الورق، بل بزيادة الإنتاج وتحسينه وتوفيره لعدد أكبر من المستفيدين. وهذا ما نسميه اليوم قابلية التوسع: أن تتحول الفكرة من حل صغير إلى نشاط يستطيع الوصول إلى أسواق وفئات أوسع.
هذه القصة تحمل رسالة مباشرة لطلبة الكليات التقنية. عندما يدخل الطالب مختبر الأمن السيبراني، أو تحليل البيانات، أو الكهرباء والإلكترونيات، أو التصميم، أو ورشة هندسية، أو مطبخ فنون الطهي، يجب ألا يكون سؤاله الوحيد: “ماذا سأتعلم؟”، بل: “ما المشكلة التي أستطيع حلها بما تعلمته؟”
قد تبدأ الفكرة من مصنع يهدر الطاقة، أو مطعم يفقد جزءًا من مواده يوميًا، أو منشأة صغيرة لا تعرف كيف تصل إلى عملائها، أو مؤسسة تجمع آلاف البيانات ولا تستفيد منها، أو نظام إلكتروني يحتاج إلى حماية أفضل. هذه ليست مشكلات عابرة، بل فرص تنتظر من يراها بعين مختلفة.
ابدأ بحل بسيط، اختبره مع مستخدم حقيقي، استمع إليه، عدّل فكرتك، ثم جرب مرة أخرى. لا تنتظر الكمال، فالفكرة التي تبقى على الورق لا تصنع مشروعًا، والمعرفة التي لا تتحول إلى تطبيق لا تخلق أثرًا.
لقد استقبلت بغداد تقنية جاءت من خارجها، لكنها لم تتوقف عند استهلاكها. تعلمتها، وطورت استخدامها، وبنت حولها صناعة ساهمت في حركة العلم والكتاب والمعرفة.
وهذه رسالتنا لطلبة الكليات التقنية اليوم: لا تجعلوا المختبر مكانًا تنتهي فيه التجربة بالحصول على علامة، بل اجعلوه المكان الذي تبدأ منه الفكرة. ولا تنتظروا سوق العمل ليسألكم ماذا تعرفون، بل اسألوا أنتم ماذا يحتاج السوق منكم.
فربما يبدأ مشروع كبير من مشكلة صغيرة لاحظها طالب، وربما تتحول تجربة دراسية اليوم إلى شركة غدًا، وفرص عمل لآخرين بعد سنوات.
الأمم لا تصنع مستقبلها بكثرة ما تستهلك من التقنيات، بل بقدرتها على تحويل العلم إلى حلول، والحلول إلى مشاريع، والمشاريع إلى قيمة. والسؤال الذي يستحق أن يحمله كل طالب معه منذ اليوم: ما المشكلة التي سأكون أنا من يحلها؟



