أ.د.الفاهوم يكتب : حين يرتفع الدولار… كيف نحمي اقتصادنا الأردني؟

عمان بوست – الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لم يعد ارتفاع الدولار الأمريكي مجرد تغير في أسعار صرف العملات، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في حركة التجارة والاستثمار وكلفة الإنتاج والمديونية ومستويات المعيشة، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة التي تعتمد على الاستيراد والتمويل الخارجي. والأردن، رغم استقرار سعر صرف الدينار، ليس بمعزل عن هذه التحولات وتداعياتها.
ترتفع قيمة الدولار عادة مع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، وتزايد الطلب عليه في أوقات الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى قوة الاقتصاد الأمريكي مقارنة باقتصادات أخرى. وتنعكس هذه الارتفاعات على الدول الناشئة بزيادة أعباء ديونها المقومة بالدولار عند تراجع عملاتها المحلية، وارتفاع تكلفة المستوردات، واحتمال انتقال الاستثمارات المالية نحو الأسواق الأمريكية.
أما الأردن، فيتمتع بخصوصية نقدية تتمثل في ربط الدينار بالدولار عند سعر يقارب 0.709 دينار للدولار، مما وفر استقرارًا نقديًا مهمًا. لكن ارتفاع الدولار أمام العملات الأخرى يعني ارتفاع الدينار معها، الأمر الذي قد يضعف تنافسية صادراتنا وخدماتنا السياحية في بعض الأسواق، مقابل انخفاض محتمل في تكلفة المستوردات من الدول التي تتراجع عملاتها.
والأهم أن ارتفاع الدولار بحد ذاته لا يزيد قيمة ديوننا الدولارية بالدينار، لكن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية يزيد تكلفة الاقتراض وخدمة الديون ذات الفائدة المتغيرة. وللتوضيح، فإن ارتفاع الفائدة نقطة مئوية واحدة يعني عشرة ملايين دينار إضافية سنويًا لكل مليار دينار من الدين المتأثر بهذه الزيادة.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في حزيران 2026 إلى نمو متوقع للاقتصاد الأردني بنسبة 2.7% ومتوسط تضخم يبلغ 2.5% خلال العام. وهي مؤشرات تؤكد أهمية الاستقرار النقدي، لكنها تطرح تساؤلًا حول قدرتنا على تحويل هذا الاستقرار إلى نمو ينعكس على دخل المواطن وفرص العمل.
وأعتقد أن مواجهة هذه التحديات لا تحتاج إلى شعارات اقتصادية جديدة بقدر حاجتها إلى قرارات عملية محددة، تبدأ بمراجعة كلفة الطاقة على القطاعات الصناعية، وتوسيع السماح للمصانع بإنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة واستخدامها، ومعالجة معيقات التخزين والربط بالشبكة، بما يخفض كلفة الإنتاج ويحسن تنافسية الصادرات.
كما يمكن للحكومة، بالتعاون مع البنك المركزي والبنوك التجارية، إنشاء برامج تمويل موجهة للمؤسسات الصناعية الصغيرة والمتوسطة، مرتبطة بزيادة الإنتاج والصادرات والتشغيل، وبفوائد وشروط سداد تتناسب مع طبيعة النشاط الإنتاجي، بدل الاكتفاء بالتوسع في الائتمان الاستهلاكي.
وفي ملف المديونية، تبرز ضرورة إعطاء الأولوية لاستبدال الديون مرتفعة الكلفة بتمويل ميسر طويل الأجل متى توفرت شروط مجدية، وتقليل التعرض للفوائد المتغيرة، مع توجيه الاقتراض نحو مشروعات ترفع الإنتاجية أو توفر نفقات مستقبلية قابلة للقياس.
أما في التجارة الخارجية، فيمكن إطلاق برنامج وطني محدد الأهداف لزيادة الصادرات إلى الأسواق العربية والأفريقية، من خلال دعم كلفة الشحن للمصدرين الصغار بصورة مؤقتة ومشروطة، وتبسيط إجراءات التصدير، وتفعيل دور الملحقيات التجارية في فتح أسواق فعلية للمنتجات الأردنية.
ومن الضروري أيضًا توجيه المشتريات الحكومية نحو المنتج المحلي المنافس في الجودة والسعر، ضمن الالتزامات التجارية، وتسريع صرف مستحقات الشركات الصغيرة، بما يحسن سيولتها ويحد من حاجتها إلى الاقتراض المكلف.
ولا ينبغي إغفال أثر الأسعار على المواطن. فالمطلوب متابعة كلفة السلع المستوردة وهوامش توزيعها، وتعزيز المنافسة، وضمان انتقال أي انخفاض حقيقي في أسعار الاستيراد إلى المستهلك، إلى جانب توجيه الدعم للفئات الأكثر تأثرًا بدل تعميمه على الجميع.
إن التحدي الأردني لا يتمثل في توقع اتجاه الدولار، وإنما في تخفيض كلفة ممارسة الأعمال، وزيادة الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الدخل والعملات الأجنبية، وتحسين إدارة الموارد العامة.
فاستقرار الدينار إنجاز ينبغي المحافظة عليه، لكنه لا يكفي وحده. وما نحتاجه هو اقتصاد يترجم هذا الاستقرار إلى إنتاج وفرص عمل ودخل أفضل، ويصبح أقل تأثرًا بقرارات تُتخذ خارج حدودنا.


