نجوم تحت الحماية أم حكام تحت الضغط؟ جدل النزاهة يشتعل في الليجا

عمان بوست – لم تعد الأضواء في الملاعب الإسبانية مسلطة فقط على مهارات كيليان مبابي أو انطلاقات فينيسيوس جونيور أو موهبة لامين يامال وبيدري، بل تحولت صافرة الحكم نفسها إلى بطل المشهد… بطل مأزوم، محاصر بالشكوك، ومتهم من جميع الأطراف.
فمن ريال مدريد إلى برشلونة، مرورًا بحكام سابقين ومسؤولين في لجنة الحكام، باتت منظومة التحكيم في إسبانيا تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، وسط شعور عام بأن الثقة في نزاهتها واحترافيتها لم تكن يومًا بهذا التآكل منذ عقود.
من قضية نيجريرا إلى زمن الفار… ثقة لم تعد كما كانت
منذ انفجار قضية خوسيه ماريا إنريكيز نيجريرا، النائب السابق لرئيس لجنة الحكام، وما ارتبط بها من شبهات فساد تاريخية، لم تنجح كل محاولات الاتحاد الإسباني في ترميم الصورة المتصدعة.
إدخال تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، وإعادة هيكلة لجنة الحكام أكثر من مرة، وتغيير قياداتها من لويس ميدينا كانتاليخو إلى فرانسيسكو سوتو، لم ينهِ الجدل. بل إن بعض هذه الخطوات زادت المشهد تعقيدًا، إذ تحولت التقنية التي كان يُفترض أن تقلل الأخطاء إلى مصدر جديد للنزاع.
كانتاليخو، خلال رئاسته للجنة، دافع بالأرقام عن التحكيم، مشيرًا إلى انخفاض عدد ركلات الجزاء والبطاقات الحمراء، وتراجع تدخلات الفار، ومؤكدًا رضاه عن المستوى العام. لكنه أقرّ في المقابل بارتفاع ملحوظ في العقوبات المرتبطة بالاحتجاجات والإهانات، ما يعكس حجم التوتر بين الأندية والحكام.
إلا أن لغة الأرقام لم تُقنع الشارع الرياضي، الذي يرى أن الشفافية الحقيقية لا تكون بنشر مقاطع صوتية “منتقاة” من محادثات الفار، بل بإتاحة التسجيلات كاملة أو بثها مباشرة، حتى لا يبقى القرار أسير الشك.
قناة ريال مدريد… ضغط ممنهج قبل صافرة البداية
اختار ريال مدريد خوض معركته مع التحكيم عبر قناته الرسمية، التي تحولت في الموسمين الأخيرين إلى ما يشبه “محكمة تلفزيونية”، تستعرض أخطاء الحكام المكلّفين بإدارة مباريات الفريق، وتسلط الضوء على قرارات سابقة اعتبرها النادي مجحفة.
هذا النهج أثار غضب رابطة الليجا وأندية أخرى، واعتبره كثيرون محاولة ضغط منظمة على الحكام قبل دخولهم أرض الملعب، بل تغذية لنظرية “المؤامرة التحكيمية” في الشارع الرياضي.
رد لجنة الحكام لم يكن إعلاميًا بل إجرائيًا، إذ قلّصت الفترة بين إعلان أسماء الحكام وإقامة المباريات إلى 24 ساعة فقط، لتقليل هامش إعداد مواد نقدية مسبقة، في خطوة فُسّرت باعتراف ضمني بتأثير هذا النوع من الضغط.
فينيسيوس… بين العنصرية واتهام المنظومة
قضية فينيسيوس جونيور أضافت بُعدًا أخطر للصراع.
اللاعب البرازيلي كان ضحية حوادث عنصرية متكررة، أبرزها ما حدث في ميستايا، حيث توقفت المباراة بسبب هتافات عنصرية قبل أن يُطرد إثر اشتباك مع أحد لاعبي فالنسيا.
فينيسيوس لم يتردد في مهاجمة الليجا والحكام علنًا، معتبرًا أن العنصرية أصبحت “أمرًا طبيعيًا” في الدوري الإسباني، وأن السلطات – بما فيها الحكام – لا توفر له الحماية الكافية.
وهكذا، لم يعد الخلاف مجرد ركلة جزاء أو بطاقة حمراء، بل امتد إلى سؤال أخلاقي أعمق: هل يقوم التحكيم بدوره الكامل في حماية اللاعبين داخل الملعب؟
مبابي وعبارة “المهرجون”… والخوف من الثلاجة
في مباراة ريال مدريد أمام فالنسيا، دخل كيليان مبابي على خط الأزمة.
احتج النجم الفرنسي بشدة على قرار تسلل مثير للجدل، ورصدت الكاميرات حديثًا حادًا بينه وبين الحكم الرابع، قبل أن يصف الحكام بأنهم “مهرجون”.
رغم وضوح الواقعة، لم تصدر عقوبة تأديبية، ما فتح الباب لانتقادات واسعة، أبرزها من الحكم الدولي السابق خافيير إسترادا فرنانديز، الذي أكد أن اللجنة كان يمكنها التحرك من تلقاء نفسها، وأن عدم معاقبة اللاعب يكافئ سلوكًا غير محترم.
إسترادا كشف جانبًا حساسًا من كواليس التحكيم، متحدثًا عن خوف الحكام من طرد نجوم كبار لما قد يترتب عليه من “النزول إلى الثلاجة” – أي إيقافهم عن إدارة مباريات مهمة.
وأشار إلى أن الجرأة ضد نجم في البرنابيو تختلف عن الجرأة في ملاعب أخرى، في إشارة إلى تفاوت غير معلن في المعايير.
برشلونة ينفجر… “نعرف ضد من نلعب”
على الجانب الآخر، يرى برشلونة نفسه ضحية قرارات متراكمة.
إلغاء هدف باو كوبارسي أمام أتلتيكو مدريد بعد مراجعة طويلة للفار فجّر غضبًا واسعًا داخل النادي.
لجنة الحكام بررت طول المراجعة بعجز نظام التسلل شبه الآلي عن تجسيم اللاعبين بسبب كثافة العدد، ما اضطر الطاقم إلى رسم الخطوط يدويًا، لكن هذا التفسير لم يُهدئ من الغضب الكتالوني.
فرينكي دي يونج وصف القرار بأنه “فضيحة” إذا كانت الصورة المعتمدة صحيحة، فيما اعتبر هانز فليك أن سبع دقائق لاتخاذ قرار “أمر جنوني”.
أما خوان لابورتا فرفع سقف الخطاب، مؤكدًا أن “المطر يهطل على نفس الرأس دائمًا”، في إشارة إلى أن الأخطاء تتكرر ضد فريقه، ومطالبًا بالقتال “ضد كل شيء وكل الناس”.
النادي أرسل شكوى رسمية إلى الاتحاد الإسباني، داعيًا إلى مراجعة عاجلة لمعايير التحكيم، وضمان المساواة بين الأندية، واقترح نظامًا تأديبيًا شفافًا للحكام في حال ارتكاب أخطاء جسيمة.
رد قناة ريال مدريد جاء ساخرًا، معتبرًا أن برشلونة – المتورط في قضية نيجريرا – آخر من يحق له الحديث عن نزاهة التحكيم.
حكام ينتقدون المنظومة من الداخل
الانتقادات لم تقتصر على الأندية.
الحكم الدولي السابق إدواردو إيتورالدي جونزاليس وجّه انتقادات للهيكلة الجديدة للجنة الحكام، فيما كشف إسترادا عن روايات صادمة، منها تلقيه اتصالًا بعد طرد كريستيانو رونالدو في أول مباراة له في البرنابيو، قبل أن يُبعد لفترة طويلة عن إدارة مباريات ريال مدريد.
واختصر إسترادا الصورة بعبارة لاذعة:
“طرد نجم كبير قد يضعك في الثلاجة، أما طرد لاعب من فريق صغير فلن يهز أحدًا”.
في مرمى النيران
اليوم، يقف التحكيم الإسباني في قلب عاصفة غير مسبوقة.
ريال مدريد يصعّد إعلاميًا، برشلونة يحتج رسميًا، الحكام السابقون يكشفون المستور، والجماهير تراقب كل قرار بعين الشك.
من قضية نيجريرا إلى جدل الفار، ومن “مهرجي” مبابي إلى “مطر” لابورتا، لم يعد الخطأ التحكيمي مجرد خطأ عابر… بل شرارة قد تشعل أزمة جديدة.
وفي إسبانيا، كل صافرة باتت قابلة لأن تتحول إلى قضية رأي عام.


