د. الطراونة يكتب : أزمة الطاقة في الأردن: بين التحديات وصناعة المستقبل

عمان بوست – بقلم د. علي الطراونة
في زمنٍ أصبحت فيه الطاقة عصب الحياة الحديثة ومحرك الاقتصاد العالمي، لم تعد مسألة توفيرها رفاهية، بل ضرورة استراتيجية تمس استقرار الدول وأمنها. والأردن، كغيره من الدول محدودة الموارد، يقف اليوم أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية تأمين احتياجاته من الطاقة في ظل الاعتماد الكبير على الخارج والتقلبات العالمية المتسارعة. ومع تصاعد الأزمات وارتفاع الأسعار، لم يعد السؤال: كيف نواجه الأزمة؟ بل أصبح: كيف نحولها إلى فرصة لبناء مستقبل أقوى وأكثر استدامة؟
يعاني الأردن من نقص واضح في مصادر الطاقة التقليدية، إذ يعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار والأزمات السياسية في المنطقة. هذا الاعتماد ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني، حيث ترتفع كلفة الإنتاج وتزداد الأعباء على المواطنين. ومع الزيادة المستمرة في عدد السكان والتوسع العمراني والصناعي، يتزايد الطلب على الطاقة بشكل يضغط على البنية التحتية ويزيد من تعقيد المشكلة.
ومع ذلك، فإن التحديات التي يواجهها الأردن تخفي في طياتها فرصًا حقيقية يمكن استثمارها بذكاء. فالمملكة تمتلك إمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، نظرًا لوفرة أشعة الشمس على مدار العام، بالإضافة إلى طاقة الرياح في بعض المناطق. إن التوسع في هذه المصادر لا يسهم فقط في تقليل الاعتماد على الخارج، بل يفتح المجال أمام اقتصاد أكثر استدامة وأقل كلفة على المدى الطويل.
إلى جانب ذلك، يُعد تحسين كفاءة استخدام الطاقة من الحلول الفعالة التي يمكن تطبيقها بسرعة، من خلال نشر ثقافة الترشيد، واستخدام التقنيات الحديثة والأجهزة الموفرة للطاقة. كما أن تنويع مصادر الطاقة، مثل التوسع في استخدام الغاز الطبيعي أو الاستثمار في مشاريع مستقبلية كـالطاقة النووية السلمية، يعزز من أمن الطاقة ويقلل من المخاطر.
ولا يقل أهمية عن ذلك دعم البحث العلمي والابتكار، حيث يمكن للتكنولوجيا الحديثة، مثل الشبكات الذكية وأنظمة تخزين الطاقة، أن تُحدث نقلة نوعية في كفاءة قطاع الطاقة. كما أن تشجيع الاستثمار في هذا المجال يساهم في خلق فرص عمل وتحفيز النمو الاقتصادي.
وفي الختام، فإن أزمة الطاقة في الأردن ليست مجرد تحدٍ عابر، بل هي مفترق طرق يحدد شكل المستقبل. فإما الاستمرار في مواجهة الأزمات، أو التحول نحو نموذج جديد قائم على الاستدامة والاعتماد على الذات. والأردن، بما يمتلكه من موقع وإرادة وإمكانات، قادر على أن يحول هذا التحدي إلى قصة نجاح، تثبت أن الأزمات قد تكون بداية الطريق نحو مستقبلٍ أكثر قوة واستقرارًا.
تحياتي
د علي الطراونة


