العرجان يكتب : من يملك اللغة يملك السردية السياحية

عمان بوست – بقلم عبدالرحيم العرجان
في عصر أصبحت فيه صناعة المحتوى قوة مؤثرة في تشكيل الوعي والثقافة والاقتصاد، برز التسويق السياحي بوصفه أحد أهم أدوات التأثير الحديثة. ومع ذلك، يواجه العالم العربي تحديًا حقيقيًا يتمثل في ندرة صناع المحتوى القادرين على الترويج لبلدانهم بلغات أجنبية، رغم أنهم الأقدر على نقل صورة أوطانهم بهويتها الأصيلة وقيمها الحقيقية.
فمعظم صناع المحتوى العرب يكتفون بإنتاج محتوى باللغة العربية فقط، نتيجة ضعف إتقان اللغات الأخرى، الأمر الذي يترك المجال واسعًا أمام صناع محتوى أجانب أو مستقطبين لا يعنيهم غالبًا سوى الانتشار والعائد المادي، دون اهتمام كافٍ بعمق الرسالة الثقافية أو دقة الصورة المقدمة عن المجتمعات العربية.
هذا الواقع يؤدي إلى ضعف وصول السردية العربية الحقيقية إلى الجمهور العالمي، لتبقى الكثير من تفاصيل ثقافتنا وتاريخنا وحياتنا اليومية حبيسة اللغة العربية، بينما تتشكل الصورة النمطية عن العالم العربي عبر مصادر خارجية قد لا تنقل الواقع بدقة أو توازن، وربما تخدم أجندات ومصالح أخرى.
كما أن الاعتماد على لغة واحدة يحدّ من فرص صناع المحتوى أنفسهم في الانتشار والنجاح عالميًا. فالمحتوى متعدد اللغات يفتح أبوابًا أوسع للتسويق والتأثير والاستفادة الاقتصادية، في حين أن البقاء داخل الإطار المحلي يحصر الوصول بجمهور محدود. وفي المقابل، تمنح المنصات الرقمية العالمية أولوية للمحتوى القادر على مخاطبة جمهور متنوع من مختلف دول العالم.
ولا يمكن تجاهل أن اللغة الإنجليزية أصبحت لغة التواصل والعمل في كثير من الدول العربية، خاصة في الخليج، إلى جانب انتشار اللغة الفرنسية في دول المغرب العربي. وهذا يفرض على صناع المحتوى العربي تطوير أدواتهم للوصول إلى فئات واسعة من الشباب حول العالم، ممن يبحثون عن السفر والاستكشاف وصناعة التجارب الجديدة.
ولعل تجربة بورجا، متسلق الجبال النيبالي الشهير، تقدم مثالًا واضحًا على قوة اللغة في التسويق السياحي. فقد استطاع الترويج لجبال الهملايا وسياحة المغامرة في بلاده عبر محتوى احترافي باللغة الإنجليزية من طبيعة عمله، انعكس بشكل مباشر على تعزيز الثقة بالمكان والخدمات السياحية هناك، حتى أصبحت شركته واحدة من الأسماء العالمية في هذا القطاع. إنها ببساطة قصة تثبت أن شخصًا واحدًا قادر على صناعة فارق حقيقي لوطنه.
وفي الدول العربية، يظهر أثر هذا الضعف اللغوي بوضوح في القطاع السياحي، الذي أصبح يعتمد بشكل كبير على التسويق الرقمي والمؤثرين القادرين على مخاطبة العالم بلغات متعددة. فعندما يبقى معظم المحتوى السياحي العربي باللغة العربية فقط، حتى مع وجود ترجمة إلكترونية أحيانًا، فإن كثيرًا من السياح الأجانب لا يتعرفون بالشكل الكافي على مواقع عالمية مهمة مثل البترا، ودندرة ومغارة جعيتة. وهذا يضعف قدرة الدول على المنافسة السياحية مقارنة بدول تستثمر في صناعة محتوى متعدد اللغات عبر أبنائها أنفسهم.
ولمعالجة هذه الفجوة، لا بد من العمل على عدة محاور، أهمها تشجيع صناع المحتوى على تعلم اللغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية، لما توفره من فرص للوصول إلى جمهور عالمي أوسع. كما يمكن للجامعات والمؤسسات التعليمية إدخال مساقات متخصصة تجمع بين اللغات والإعلام والتسويق والسياحة، لأن الدمج بين المعرفة اللغوية والمهارات الإعلامية يصنع محتوى أكثر احترافية وتأثيرًا.
كذلك، فإن دعم صناع المحتوى عبر الشراكات مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص أصبح ضرورة، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين صورة الدول عالميًا وتعزيز السياحة والاستثمار. وفي الوقت ذاته، ينبغي الحرص على تدقيق المعلومات والمحتوى المنشور، لضمان نقل صورة واقعية ودقيقة تحترم عقل المتلقي وتبني الثقة.
وفي الختام، فإن صناع المحتوى لا يلغون دور الإعلام التقليدي، بل يمثلون امتدادًا عصريًا له، يعمل ضمن أدوات جديدة ومنصات مختلفة. فالإعلام المهني سيبقى الأساس، بما يمتلكه من مؤسسات عريقة وخبرات وتشريعات وقوانين وأطر رقابية تتحمل المسؤولية القانونية والمهنية والأخلاقية. ولذلك، فإن الاعتراف بقيمة صناعة المحتوى الحديثة لا يلغي حقيقة أن الإعلام، بمفهومه المهني العميق، ما يزال حجر الأساس في تشكيل الوعي وصناعة الصورة.
ومن هنا، فإن امتلاك اللغة لم يعد مهارة إضافية لصانع المحتوى، بل أصبح أداة سيادية لصناعة الصورة والرواية والتأثير. فمن يملك اللغة… يملك السردية.


