د. الطراونة يكتب : الأردن في كأس العالم… إنجاز تاريخي وحكومة غائبة

عمان بوست – بقلم د. علي الطراونة
بينما تستنفر الدول مؤسساتها كافة لاستثمار أي ظهور عالمي مهما كان محدوداً، نجد الأردن يقف اليوم أمام فرصة تاريخية غير مسبوقة تتمثل في مشاركة المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم، ومع ذلك يبدو أن الحكومة ومؤسساتها المعنية تتعامل مع الحدث وكأنه مجرد مناسبة رياضية عابرة لا أكثر.
إن كأس العالم ليس بطولة كرة قدم فحسب، بل هو أكبر منصة إعلامية وتسويقية على وجه الأرض، يتابعها مليارات البشر، وتتنافس الدول على استغلالها للترويج لسياحتها وثقافتها واقتصادها واستقطاب الاستثمارات إليها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا أعد الأردن لاستثمار هذه الفرصة الاستثنائية؟
للأسف، لا شيء يرقى إلى حجم الحدث.
أين وزارة السياحة والآثار؟ وأين خططها وحملاتها الدولية؟ وأين المواد الترويجية التي يفترض أن تغزو الشاشات والمنصات الرقمية بالتزامن مع مشاركة المنتخب؟ لماذا لا نشاهد حملة عالمية ضخمة تعرض البتراء ووادي رم والبحر الميت والعقبة وجرش أمام مئات الملايين من المشاهدين؟ هل تدرك الوزارة حجم الفرصة التي بين يديها أم أنها تنتظر انتهاء البطولة لتبدأ بإصدار البيانات التقليدية عن “أهمية القطاع السياحي”؟
وأين هيئة تنشيط السياحة التي تخصص لها ملايين الدنانير سنوياً من أجل الترويج للأردن؟ إذا لم تكن مشاركة الأردن في كأس العالم تستحق حملة استثنائية وخطة عمل عاجلة، فما هي المناسبة التي تستحق ذلك؟ إن الغياب الواضح للمبادرات المؤثرة يثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة التخطيط وآليات اتخاذ القرار داخل هذه المؤسسة.
أما وزارة الشباب والرياضة، فمن المؤسف أن دورها يبدو محصوراً في إطار الاحتفالات والبروتوكولات، في حين أن المطلوب منها قيادة مشروع وطني متكامل لتحويل الإنجاز الرياضي إلى مكاسب اقتصادية وسياحية وإعلامية. فالنجاحات الرياضية في العالم المتقدم لا تُستهلك في التصفيق والتكريم، بل تُستثمر بعقلية اقتصادية واستراتيجية تحقق عوائد طويلة الأمد.
ولا تقل مسؤولية وزارة الثقافة أهمية عن غيرها. فهذه مناسبة عالمية كان يفترض استغلالها لإبراز الهوية الثقافية الأردنية، والتعريف بالموروث الوطني، وتقديم صورة حضارية متكاملة عن الأردن وشعبه وتاريخه. لكن الصمت والغياب ما زالا السمة الأبرز.
أما وزارة الخارجية، فهي الأخرى مطالبة بالإجابة عن سؤال واضح: ماذا فعلت سفارات الأردن حول العالم استعداداً لهذا الحدث؟ أليست هذه فرصة ذهبية لتنظيم معارض وفعاليات وأنشطة إعلامية وثقافية في الدول المستضيفة وفي العواصم المؤثرة؟ أليس من واجب البعثات الدبلوماسية أن تكون جزءاً من الجهد الوطني لتسويق الأردن عالمياً؟
المؤسف أن الإنجاز تحقق بجهود اللاعبين والجهاز الفني والداعمين للمنتخب، بينما يبدو أن المؤسسات الرسمية ما زالت تسير بالسرعة البيروقراطية نفسها، وكأنها لم تدرك بعد أن العالم سيوجه أنظاره نحو الأردن خلال هذه المشاركة التاريخية.
إن أخطر ما في الأمر ليس ضياع فرصة رياضية، بل ضياع فرصة وطنية واقتصادية وسياحية لا تقدر بثمن. فالدول تدفع عشرات ومئات الملايين من الدولارات للحصول على دقائق من الظهور أمام جمهور عالمي، بينما حصل الأردن على هذه الفرصة بفضل إنجاز أبنائه، ثم وقف عاجزاً عن استثمارها بالشكل الذي يليق بالوطن.
إن المطلوب اليوم ليس بيانات تهنئة ولا حفلات تكريم ولا صوراً تذكارية. المطلوب خطة وطنية عاجلة تشارك فيها الحكومة بكل مؤسساتها، لأن العالم لن ينتظر أحداً، والفرص التاريخية لا تتكرر كثيراً.
وإذا انتهت البطولة دون حملة ترويجية عالمية متكاملة ودون نتائج ملموسة على صعيد السياحة والاستثمار وصورة الأردن الدولية، فإن المسؤولية ستكون سياسية وإدارية بامتياز، وسيتحملها كل من تقاعس أو تأخر أو فشل في إدراك قيمة هذه اللحظة التاريخية.
لقد نجح المنتخب في الوصول إلى العالم… فهل تنجح الحكومة في استثمار هذا الوصول؟ أم أننا سنضيف هذه الفرصة إلى قائمة طويلة من الفرص التي أُهدرت بسبب غياب الرؤية وضعف التخطيط والاكتفاء برده الفعل فقط
تحياتي
د علي الطراونة



