أقلام بوست

د. الطراونة يكتب : التحديث السياسي بين الإرادة الملكية الصلبة وأصحاب الأجندات الضيقه

د. علي الطراونة

عمان بوست – بقلم د. علي الطراونة

حين وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، في حزيران عام 2021، إلى تشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، لم يكن الأمر مجرد خطوة إجرائية أو تعديل عابر لبعض التشريعات، بل كان إعلاناً عن مرحلة وطنية جديدة، ورؤية ملكية بعيدة المدى تهدف إلى بناء حياة سياسية أكثر نضجاً، وترسيخ نهج ديمقراطي حديث يقوم على المشاركة الفاعلة، ويؤسس لأحزاب قوية وبرامجية قادرة على صناعة المستقبل وتحمل المسؤولية الوطنية.

لقد أدرك جلالة الملك، بحكمته المعهودة ورؤيته الاستشرافية، أن الدولة الأردنية تدخل مئويتها الثانية بتحديات ومتغيرات تتطلب أدوات سياسية أكثر تطوراً ومرونة، وأن بناء مستقبل الأردن لا يمكن أن يظل رهيناً للأدوات التقليدية، بل يحتاج إلى منظومة سياسية حديثة تنتج قيادات وطنية مؤهلة، وتؤسس لحكومات برلمانية حزبية قادرة على إدارة الدولة بكفاءة واقتدار.

ومن هنا جاءت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، التي عمل أعضاؤها بإخلاص ومسؤولية وطنية عالية، واضعين نصب أعينهم تنفيذ التوجيهات الملكية السامية وترجمتها إلى قوانين عصرية ومتوازنة تحفظ استقرار الدولة وتعزز مسيرة الإصلاح. وبعد أشهر من العمل الجاد والحوار الواسع، خرجت اللجنة بمخرجات شكلت محطة مفصلية في تاريخ الحياة السياسية الأردنية، وفي مقدمتها قانونا الانتخاب والأحزاب اللذان فتحا الباب أمام مرحلة جديدة من العمل السياسي المنظم.

ومع انطلاق العمل بالقوانين الجديدة، أعادت الأحزاب القائمة ترتيب أوضاعها وفق التشريعات الحديثة، كما شهدت الساحة السياسية ولادة أحزاب جديدة تحمل برامج ورؤى وطنية متنوعة، الأمر الذي بعث الأمل بإمكانية الوصول إلى حياة حزبية حقيقية تكون فيها المنافسة على أساس الفكر والبرنامج والكفاءة، لا على أساس المصالح الضيقة أو الاعتبارات الشخصية.

غير أن ما يدعو للأسف والقلق أن بعض الممارسات التي بدأت تظهر هنا وهناك لا تنسجم مع روح المشروع الملكي ولا مع فلسفة التحديث السياسي التي أرادها جلالة الملك. فقد تسللت إلى بعض مفاصل العمل الحزبي تدخلات غير مبررة، وأصبحت هناك محاولات للتأثير على مسارات بعض الأحزاب وقراراتها الداخلية، وكأن المطلوب أن تبقى الأحزاب أسيرة الوصاية بدلاً من أن تكون مؤسسات وطنية مستقلة وقادرة على النمو الطبيعي.

الأخطر من ذلك أن بعض هذه التدخلات تسعى إلى تقديم أشخاص إلى الصفوف الأولى والمواقع القيادية ليس لأنهم الأكثر كفاءة أو الأقدر على العطاء السياسي، وإنما لأنهم الأقرب إلى هذا الطرف أو ذاك، أو لأن بينهم وبين بعض المتنفذين علاقات شخصية أو مصالح مشتركة. وفي المقابل، يتم أحياناً تهميش شخصيات وطنية تمتلك الخبرة والرؤية والحضور والقدرة على الإسهام الحقيقي في بناء الأحزاب، فقط لأنها لا تنتمي إلى دائرة المصالح أو لا تتوافق مع رغبات أصحاب النفوذ.

إن الأحزاب التي أرادها جلالة الملك ليست أحزاباً شكلية أو ديكورية، وليست منصات لتبادل المصالح والمجاملات، وإنما مؤسسات وطنية يفترض أن تكون مدارس لإعداد القيادات وصناعة القرار، وخزانات للفكر السياسي الوطني، وقادرة في المستقبل على قيادة الحكومات وتحمل أعباء الدولة بكل كفاءة واقتدار.

ولا بد من التأكيد هنا أن الأردنيين جميعاً يقفون خلف دولتهم ومؤسساتهم، ويؤمنون بأن حماية الوطن واستقراره مسؤولية جماعية لا تقبل المزاودة من أحد. كما أن أي تدخل يهدف إلى حماية الأمن الوطني أو منع ما قد يشكل خطراً على الدولة هو واجب مشروع ومطلوب. لكن الفرق كبير بين حماية الدولة وبين التدخل في التفاصيل الحزبية اليومية أو التأثير في خيارات الأعضاء أو هندسة المشهد الحزبي بما يخالف روح القانون وأهداف الإصلاح.

إن الأردن أكبر من الأشخاص، وأكبر من المصالح الضيقة، وأكبر من الحسابات الفردية. وما بُني بإرادة ملكية صادقة ورؤية وطنية شجاعة يجب أن يُصان من العبث، وأن يُترك لينمو وفق الأسس الديمقراطية التي أرادها جلالة الملك. فنجاح مشروع التحديث السياسي ليس نجاحاً لحزب أو تيار أو مجموعة، بل نجاح للدولة الأردنية كلها، وفشله – لا سمح الله – سيدفع ثمنه الجميع.

اليوم، وبعد سنوات من إطلاق مشروع التحديث السياسي، أصبح من الضروري إعادة التأكيد على أن معيار التقدم داخل الأحزاب يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على العطاء، لا العلاقات الشخصية ولا الاعتبارات الضيقة. كما أن من الواجب تمكين القيادات الوطنية الحقيقية من أخذ دورها الطبيعي، لأن الأوطان لا تبنى بالمجاملات، وإنما تبنى بالعقول والخبرات والإرادات المخلصة.

لقد أراد جلالة الملك أحزاباً قوية قادرة على حمل الراية، وأراد برلماناً يعكس نبض الشارع، وأراد مستقبلاً سياسياً أكثر نضجاً واستقراراً. ولذلك فإن حماية هذا المشروع الوطني الكبير واجب على الجميع، دولةً ومؤسساتٍ وأحزاباً ومواطنين، حتى تبقى مسيرة التحديث السياسي وفية لأهدافها النبيلة، وتظل معبرة عن الإرادة الملكية التي وضعت مصلحة الأردن فوق كل اعتبار.

سيبقى الأردن، بإذن الله، عصياً على العبث، قوياً بقيادته الهاشمية، شامخاً بإرادة أبنائه المخلصين، وسيبقى المشروع الإصلاحي الذي أطلقه جلالة الملك عنواناً للأمل، وجسراً نحو المستقبل، وراية وطنية لا يجوز أن تُختطف أو تُشوَّه أو تُسخّر لخدمة المصالح الضيقة.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والعزة والكرامة.

تحياتي
د علي الطراونة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى