أقلام بوست

د. الطراونة يكتب : حين تصبح الحكومة شبكة علاقات: لماذا نُتعب أنفسنا؟

عمان بوست – بقلم د. علي الطراونة

إحنا ليش مغلبين حالنا أكثر من اللازم؟
لماذا نُكثر من التحليل، ونبحث عن التفسيرات، ونضع الخطط والبرامج، ونتحدث عن الإصلاح وتكافؤ الفرص، بينما المواطن يرى أمامه مشهداً يعتقد أنه يتكرر منذ سنوات؟

المشكلة ليست في قلة الكفاءات، ولا في غياب أصحاب الخبرة، ولا في عدم وجود الأردنيين القادرين على حمل المسؤولية. المشكلة، كما يراها كثير من الناس، في معايير الاختيار: من يصل؟ ولماذا يصل؟ ومن يملك مفاتيح الأبواب التي تقود إلى الموقع العام؟

في الوجدان الشعبي، أصبحت الصورة قاتمة: الوظائف العليا للأصدقاء والمحاسيب والأنسباء والأبناء؛ والوزارات لمن يمتلك شبكة علاقات مع أصحاب النفوذ؛ والهيئات المستقلة تتحول، في نظر الناس، إلى مواقع تتوارثها الأسماء والعلاقات؛ ومجالس الإدارات تصبح أحياناً محطة لمن يغادر موقعاً سياسياً أو وزارياً، وكأن المنصب العام لا ينتهي، وإنما يتغير عنوانه.

أما مجلس النواب، فهنا تزداد مرارة السؤال.

فالمواطن الذي لا يملك المال ولا النفوذ ولا شبكة العلاقات، كيف ينافس؟ وكيف يقنع الناس بأن صوته قادر على الوصول إذا كان يشعر أن المال السياسي وشراء الولاءات قد يطغيان على البرنامج والكفاءة والانتماء؟

هل أصبح الوصول إلى الموقع العام بحاجة إلى ظهر، أكثر مما يحتاج إلى قدرة؟ وهل أصبح الانتماء إلى شبكة من العلاقات أقوى من الانتماء إلى الوطن والكفاءة؟

هذه ليست أسئلة ترف فكري.
هذه أسئلة مواطن يرى دولته التي يحبها ويريد لها الخير، ويخشى أن تتحول الدولة في نظر أبنائها من دولة الفرص إلى دولة العلاقات.

ونحن هنا لا نتحدث عن أشخاص بعينهم، ولا نضع الاتهامات جزافاً، ولا نريد أن نهدم الثقة بمؤسسات الدولة. على العكس تماماً؛ نحن نكتب لأننا نريد حماية الدولة من كل ما يضعف ثقة المواطن بها.

الأردن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأهم من المناصب.

والمنصب العام ليس جائزة ترضية، وليس مكافأة لصديق، وليس إرثاً عائلياً، وليس فاتورة سياسية تُسدّد بعد انتهاء خدمة أو خروج من موقع. المنصب العام أمانة، والأمانة لا تُعطى إلا لمن يستحقها.

إذا كان لدينا طبيب متميز، فلماذا لا يكون وزيراً لأنه لا يملك الواسطة؟
وإذا كان لدينا مهندس كفؤ، وخبير اقتصادي، وأستاذ جامعي، وضابط متقاعد، وشاب أردني يمتلك العلم والخبرة والنزاهة، فلماذا تبقى الأبواب أمامه مغلقة لأنه لا يعرف الشخص المناسب؟

الدولة العادلة لا تسأل: “من تعرف؟” بل تسأل: “ماذا تستطيع أن تقدم؟”

نحن لا نريد دولة تعادي الأغنياء، ولا دولة تعادي أبناء المسؤولين، ولا دولة تعاقب من له علاقة بهذا أو ذاك. نريد فقط قاعدة بسيطة وواضحة: أن يكون المعيار هو الكفاءة، وأن تكون المنافسة عادلة، وأن يكون الموقع العام حقاً للكفؤ لا امتيازاً للمحظوظ.

الوطن الذي نحب لا يحتاج إلى مزيد من المجاملات السياسية.
يحتاج إلى عدالة في الفرص.
ولا يحتاج إلى توزيع المناصب، بل إلى توزيع الثقة على أساس الاستحقاق.

فإذا كان المواطن يشعر أن الوظيفة العامة تُحسم قبل الإعلان عنها، وأن المنصب السياسي له صاحبه قبل أن يُفتح بابه، وأن بعض المواقع تدور في دائرة ضيقة من الأسماء والعلاقات، فلا تطلبوا منه بعد ذلك أن يقتنع بأن الفرص متساوية.

الثقة لا تُطلب من المواطن بالكلام؛ الثقة تُبنى أمام عينيه بالممارسة.

ولذلك، ربما آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: من سيأتي إلى المنصب؟
وأن نبدأ بالسؤال الأهم: ما المعايير التي جعلته يصل؟

إذا كانت الإجابة هي الكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على الإنجاز، فليطمئن الناس.

أما إذا كانت الإجابة: صديق، قريب، نسيب، ابن مسؤول، أو صاحب نفوذ، فهنا لا نحتاج إلى المزيد من التبرير.

نحتاج إلى إصلاح حقيقي.

لأن الأردن لا ينقصه الرجال والنساء القادرون على خدمته، ولا تنقصه العقول، ولا تنقصه الكفاءات. ما ينقصه فقط أن تُفتح الأبواب أمامهم بعدالة، وأن يصبح الوطن هو الواسطة الوحيدة التي يحتاجها الأردني للوصول إلى موقع يستحقه.

وفي النهاية، لنجعلها قاعدة لا خلاف عليها:

المناصب تذهب، والأسماء تُنسى، والحكومات تتغير، لكن الدولة تبقى.

ولهذا، فإن حماية الدولة تبدأ من حماية عدالتها، وحماية عدالتها تبدأ من أن يشعر كل أردني أن مستقبله لا يتوقف على من يعرف، ولا على مقدار ما يملك، ولا على اسم عائلته، بل على ما يستطيع أن يقدم لوطنه.

فلا تُتعبوا الناس بكثرة التبرير… أصلحوا المعايير، وستصبح الأمور واضحة للجميع.

تحياتي
د علي الطراونة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى