اقتصادي بوست

الفائدة الأميركية على مفترق طرق.. التضخم يحدد مصير قرار أيلول

عمان بوست – تدخل الأسواق العالمية أسبوعًا حاسمًا بشأن مسار أسعار الفائدة الأميركية، بعدما أعاد تقرير الوظائف القوي احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي في أيلول إلى واجهة التوقعات، بالتزامن مع تصاعد مخاطر التضخم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات في الشرق الأوسط.

ويُسعّر المتعاملون حاليًا احتمال رفع الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة بنحو 57% خلال اجتماعه المقرر يومي 15 و16 أيلول/سبتمبر، وفقًا لتسعيرات العقود الآجلة، بعدما عززت بيانات سوق العمل الأميركية الأخيرة قدرة البنك المركزي على مواصلة تشديد السياسة النقدية في حال استدعت تطورات التضخم ذلك.

وتعكس هذه النسبة توقعات الأسواق فقط، وليست مؤشرًا رسميًا صادرًا عن الاحتياطي الاتحادي، كما أنها قابلة للتغير سريعًا مع صدور بيانات اقتصادية جديدة، وعلى رأسها أرقام التضخم المرتقبة خلال الأسبوع.

وجاء التحول في توقعات الفائدة عقب إعلان الاقتصاد الأميركي إضافة 162 ألف وظيفة خارج القطاع الزراعي في آب/أغسطس، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الزيادة المتوقعة عند 56 ألف وظيفة وفق استطلاع أجرته “رويترز” لاقتصاديين، بينما استقر معدل البطالة عند 4.1%.

وأدى هذا الأداء القوي لسوق العمل إلى رفع عوائد سندات الخزانة الأميركية، بالتزامن مع زيادة تقديرات الأسواق لاحتمال رفع الفائدة في أيلول إلى نحو 60% في أعقاب صدور البيانات.

وتعني متانة سوق العمل أن الاحتياطي الاتحادي يواجه ضغوطًا أقل من جانب التوظيف قد تعيق تشديد السياسة النقدية، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من مستوى 2% الذي يستهدفه البنك المركزي.

التضخم.. الاختبار الأصعب

ورغم قوة تقرير الوظائف، لم يُحسم قرار أيلول بعد، إذ تتجه الأنظار حاليًا إلى بيانات أسعار المنتجين الخميس وأسعار المستهلكين الجمعة، والتي ستكون من آخر المؤشرات الاقتصادية الرئيسية المتاحة لصناع السياسة قبل اجتماعهم.

وتشير التوقعات إلى وصول التضخم السنوي لأسعار المستهلكين إلى 3.4% في آب/أغسطس، فيما يرجح أن يتراجع التضخم الأساسي إلى 2.4%.

وتكتسب هذه البيانات أهمية أكبر مع ارتفاع أسعار الطاقة بفعل التوترات في الشرق الأوسط، بعدما تجاوز خام برنت 96 دولارًا للبرميل الاثنين، ما يزيد احتمالات انتقال تكاليف الطاقة المرتفعة إلى أسعار السلع والخدمات، ويعقد مهمة إعادة التضخم إلى هدف البنك المركزي.

كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى، حتى مع تراجع بعض مكوناته الأساسية، وهو ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر تعقيدًا.

الرفع أم الانتظار؟

ولا تعكس تقلبات توقعات الأسواق حالة عدم اليقين بشأن البيانات الاقتصادية فحسب، بل تعكس أيضًا تباين المواقف داخل الاحتياطي الاتحادي.

وكان عضو مجلس المحافظين كريستوفر والر قد أبدى في 3 أيلول/سبتمبر انفتاحه على الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، إذا أظهرت البيانات استمرار تراجع الضغوط التضخمية، وهي تصريحات دفعت المتعاملين حينها إلى تقليص رهانات رفع الفائدة.

لكن صدور تقرير الوظائف القوي في اليوم التالي أعاد خلط الأوراق ورفع توقعات التشديد النقدي مجددًا، في مؤشر واضح على حساسية قرار أيلول تجاه كل قراءة جديدة للاقتصاد الأميركي.

وكان رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي كيفن وارش قد عزز في وقت سابق توقعات التشديد، مؤكدًا ضرورة التحرك إذا لم يكن صناع السياسة واثقين من أن التضخم يسير باتجاه هدف 2%.

وفي أعقاب هذه التطورات، عدّل بنك باركليز توقعاته ليرجح رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في أيلول، يعقبه رفع مماثل في كانون الأول، بعدما كان يتوقع في وقت سابق بقاء أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام.

في المقابل، أبقت تصريحات والر خيار التثبيت حاضرًا بقوة في حال جاءت بيانات التضخم أكثر اعتدالًا، وهو ما يفسر عدم حسم الأسواق رهاناتها لصالح الرفع بشكل نهائي.

التحول من الخفض إلى التشديد

ويشكل النقاش الحالي تحولًا لافتًا في مسار توقعات السياسة النقدية الأميركية؛ فبعدما كانت الأسواق تركز على توقيت استئناف خفض أسعار الفائدة، أصبحت تبحث الآن في احتمال اضطرار الاحتياطي الاتحادي إلى تشديد السياسة النقدية مجددًا لمواجهة تضخم أكثر استمرارًا.

وعزز تقرير الوظائف هذا التحول، فيما دفع سيتي غروب إلى تأجيل توقعاته لأول خفض مقبل للفائدة إلى حزيران/يونيو 2027، بعدما كان يرجح بدء التخفيضات في تشرين الأول/أكتوبر من العام الحالي.

ويواجه الاحتياطي الاتحادي بذلك معادلة دقيقة: اقتصاد وسوق عمل قادران على تحمل أسعار فائدة مرتفعة من جهة، وتضخم لا يزال فوق المستهدف ويتعرض لمخاطر إضافية من ارتفاع أسعار الطاقة من جهة أخرى، مقابل مؤشرات على تراجع بعض الضغوط السعرية تدفع بعض صناع السياسة إلى التريث.

وبينما تميل الأسواق بفارق محدود نحو رفع الفائدة في أيلول، قد تعيد بيانات التضخم رسم المشهد مرة أخرى؛ إذ ستعزز القراءة الأعلى من المتوقع مبررات رفع الفائدة 25 نقطة أساس، في حين أن تباطؤ التضخم بشكل واضح قد يمنح الاحتياطي الاتحادي مساحة للإبقاء على الفائدة دون تغيير.

ولا يقتصر ترقب اجتماع أيلول على قرار الفائدة، إذ سيصدر الاحتياطي الاتحادي بالتزامن معه توقعاته الاقتصادية المحدثة، بما في ذلك تقديرات أعضاء اللجنة لمسار أسعار الفائدة، وهو ما قد يكشف ما إذا كان أي رفع محتمل خطوة منفردة أم بداية دورة جديدة من التشديد النقدي.

وبذلك تدخل الأسواق الأيام الأخيرة قبل الاجتماع وسط حالة من عدم اليقين: تقرير الوظائف أعاد رفع الفائدة إلى الواجهة، وارتفاع أسعار الطاقة زاد مخاطر التضخم، لكن بيانات الأسعار المرتقبة هذا الأسبوع ستكون العامل الأهم في تحديد اتجاه القرار بين الرفع والتثبيت.

وكالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى