إيران تلوّح بـ«منطقة محظورة» قرب هرمز.. هل تبدأ مرحلة جديدة من الحرب البحرية؟

عمان بوست – يبدو أن مضيق هرمز يتجه إلى أن يصبح أكثر من مجرد ممر مائي في قلب المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بعدما كشفت طهران عن خطط لإعلان «منطقة محظورة» قرب المضيق خلال الأيام المقبلة، في خطوة قد تفرض قواعد جديدة على حركة السفن وتفتح فصلاً أكثر خطورة في الصراع البحري.
وتأتي الخطوة الإيرانية في وقت تراجعت فيه حركة السفن التجارية عبر المضيق إلى أدنى مستوياتها منذ أيار/مايو، بالتزامن مع تصاعد الهجمات المتبادلة التي طالت سفناً وناقلات نفط، وسط تشديد واشنطن لضغوطها البحرية والاقتصادية على طهران.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الأحد، إن إيران ستعلن خلال الأيام المقبلة منطقة محظورة تبدأ من خط الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية وتمتد باتجاه مضيق هرمز وتشمل أجزاء من الخليج.
وأوضح رضائي أن أي سفينة تدخل المنطقة بهدف العبور عبر المضيق وتحددها السلطات الإيرانية ستُدرج على قائمة العقوبات الإيرانية، من دون الكشف حتى الآن عن الحدود الجغرافية الدقيقة للمنطقة أو موعد بدء تنفيذ القرار.
قواعد جديدة للعبور.. ورسائل تحت الماء
اللافت في الإعلان الإيراني أن طهران لا تتحدث هذه المرة عن إغلاق المضيق بصورة مباشرة، وإنما عن فرض قيود جديدة على السفن والمسارات التي تسلكها، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي قد تواجهها السفن المخالفة.
ولم تحدد إيران ما إذا كانت العقوبات ستقتصر على إدراج السفن في قوائمها، أم ستتطور إلى إجراءات ميدانية لمنعها من العبور.
وقال رضائي إن بلاده تراقب السفن الأميركية التي تحاول استخدام ما وصفها بـ«المسارات غير القانونية»، مؤكداً أن الإجراءات الإيرانية في المضيق ستصبح أكثر صرامة.
وفي إشارة إلى طبيعة الحسابات الإيرانية، قال إن طهران لم تتخذ قراراً بإغراق ناقلات النفط، خشية ما قد يترتب على ذلك من أضرار بيئية، معتبراً أن الإجراءات والعقوبات الإيرانية يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من الصواريخ.
كما كشف عن توصل إيران وسلطنة عُمان إلى خريطة لتنظيم الدخول والخروج من المياه الخليجية، مشيراً إلى أن اتفاقاً بهذا الشأن سيُوقع قريباً.
وفي المقابل، وصف رضائي مضيق هرمز بأنه «مغلق بالكامل»، في وقت تظهر فيه بيانات الملاحة استمرار عبور السفن، وإن بمعدلات أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
الناقلات تتحول إلى ورقة ضغط
الإعلان الإيراني جاء بعد تصعيد بحري لافت بين واشنطن وطهران، إذ استهدفت القوات الأميركية، السبت، ثلاث ناقلات نفط إيرانية، بعدما قال الجيش الأميركي إن الحرس الثوري أطلق صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أميركية في المنطقة.
وردت إيران باستهداف سفن وناقلات قالت إنها تستخدم مسارات غير مصرح بها، فيما لوحت واشنطن بإغراق ناقلات إيرانية إذا استمرت طهران في استهداف السفن التابعة للبحرية الأميركية.
وتشير بيانات الملاحة إلى أن دائرة الخطر باتت تشمل السفن التجارية بصورة متزايدة، بعدما تحولت الناقلات إلى جزء من أدوات الضغط الاقتصادي المتبادل بين الطرفين.
وقالت شركة الاستخبارات البحرية «ماريسكس» إن التطورات الأخيرة تمثل تصعيداً كبيراً، في حين سجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية 27 حادثة ضرب بمقذوفات في مضيق هرمز ومحيطه منذ السادس من تموز/يوليو، أسفرت عن أضرار متفاوتة في عدد من السفن.
كما أعلن رضائي أن إيران اختبرت للمرة الأولى صاروخاً مضاداً للسفن ضد سفينة حربية أميركية، مدعياً أن السفن الأميركية انسحبت بعد استخدام الصاروخ، وهو ما نفاه الجيش الأميركي، مؤكداً عدم إصابة سفينة عسكرية أميركية غير مأهولة في المضيق.
هرمز تحت ضغط الحصار الأميركي
يتزامن التصعيد البحري مع توسيع الولايات المتحدة نطاق ضغوطها الاقتصادية على إيران، من خلال تشديد العقوبات الثانوية على كيانات ودول تتعامل تجارياً مع طهران، بالتوازي مع إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية في منطقة مضيق هرمز.
وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على طهران، فيما ترى إيران أن الحصار البحري الأميركي يقوض التفاهمات المتعلقة بالملاحة وحرية العبور.
وقال رئيس مجلس الشورى الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن بلاده مطالبة بإيجاد بدائل جديدة لمواجهة الضغوط الاقتصادية التي تستهدف سلاسل الإمداد، محذراً من أن أي هجمات مستقبلية ضد إيران أو مصالحها ستواجه برد «أسرع وأشد وأكثر إيلاماً».
وأضاف أن «قواعد اللعبة قد تغيرت»، في رسالة تعكس اتساع نطاق المواجهة وتزايد احتمالات انتقالها إلى مساحات جديدة.
وفي السياق ذاته، أكد قائد قوات حرس الحدود الإيرانية استعداد قواته للتعامل مع أي تهديد أو اعتداء، مشدداً على أن قواته لن تسمح بأي خرق للحدود.
لماذا يمثل هرمز نقطة اشتعال عالمية؟
لا تكمن أهمية مضيق هرمز في موقعه الجغرافي فحسب، بل في كونه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغت تدفقات النفط عبر المضيق 20.9 مليون برميل يومياً خلال الربع الأول من عام 2025، قبل أن ترتفع إلى 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من العام ذاته.
لكن الحرب قلبت المعادلة؛ إذ تراجعت التدفقات إلى 14.9 مليون برميل يومياً في الربع الأول من 2026، ثم هوت إلى نحو 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني، وفق أحدث التقديرات.
كما انخفضت تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق من 10.5 مليارات قدم مكعبة يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى 7.4 مليارات في الربع الأول من 2026، ثم إلى 0.8 مليار قدم مكعبة يومياً في الربع الثاني.
وتكشف هذه الأرقام حجم التأثير الذي أحدثته الحرب في أحد أهم اختناقات الطاقة العالمية، إذ كانت حركة النفط عبر هرمز قبل الحرب تمثل قرابة خمس استهلاك السوائل النفطية عالمياً ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً.
ولا تبدو البدائل كافية لتعويض أي توقف واسع في المضيق؛ إذ تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية الطاقة التي يمكن توفيرها عبر خط أنابيب شرق-غرب السعودي وخط أبوظبي بنحو 4.7 ملايين برميل يومياً، مقابل أكثر من 20 مليون برميل كانت تمر عبر هرمز قبل الحرب.
وبالتالي، فإن أي اضطراب إضافي وطويل الأمد في حركة الملاحة قد ينعكس سريعاً على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين وتدفقات الطاقة العالمية.
من إغلاق المضيق إلى التحكم بمن يعبره
وفي 31 آب/أغسطس، شنت الولايات المتحدة غارات على منصات إطلاق صواريخ إيرانية في جزيرة داخل مضيق هرمز، قبل أن تستهدف في اليوم التالي مواقع للحرس الثوري، قائلة إن الضربات جاءت رداً على هجمات طالت سفناً تجارية وعسكريين أميركيين في المنطقة.
وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن واشنطن لن تجري محادثات مع إيران ما لم تتوقف عن إطلاق النار على السفن التجارية في المضيق، فيما تتمسك طهران بموقفها القائل إن الحصار البحري الأميركي يقوض أي تفاهم بشأن حرية الملاحة.
ومنذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران، تحول مضيق هرمز إلى واحدة من أبرز أوراق الضغط في المواجهة، بعد إعلان طهران إغلاقه.
لكن إعلان «المنطقة المحظورة» يضيف بعداً جديداً للصراع؛ فالمواجهة لم تعد تدور فقط حول سؤال: هل يُغلق هرمز أم يُفتح؟ بل باتت تتجه إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يملك حق تحديد من يعبر المضيق، ومن أي مسار؟
وبينما تعتبر الولايات المتحدة هرمز ممراً دولياً حيوياً وتقول إن وجود قواتها يهدف إلى حماية حرية الملاحة واستمرار تدفقات الطاقة، تربط إيران حرية العبور بأمنها ورفع الضغوط والحصار المفروض عليها.
ويبقى مدى خطورة الخطوة الإيرانية مرهوناً بما ستكشفه طهران خلال الأيام المقبلة من تفاصيل حول حدود المنطقة المحظورة، وطبيعة القيود، وآلية تنفيذها، والسفن التي ستشملها؛ وهي تفاصيل قد تحدد ما إذا كان هرمز مقبلاً على مرحلة جديدة من التصعيد البحري أم على مواجهة أكثر خطورة بين القوة العسكرية وقواعد الملاحة الدولية.



