د. الخواجا يكتب : قراءة في واقع التعليم العالي في الأردن

عمان بوست – قراءة وتحليل بقلم الدكتور ماجد الخواجا
بلغ عدد الطلبة في مؤسسات التعليم العالي نحو 480 ألف طالب وطالبة للعام الدراسي 2025/2026، هناك 60% منهم في الجامعات الرسمية، عدد الطلبة الوافدين نحو 56 ألف طالب.
بلغ إجمالي أعضاء هيئة التدريس 8508 أستاذ في الجامعات الرسمية، 5644 عضو في المؤسسات التعليمية الخاصة بمجموع 14152 عضو هيئة تدريس في المملكة.
يبلغ عدد الجامعات الرسمية والخاصة نحو (33) جامعة تنتشر في مختلف محافظات المملكة وإن تركز العدد الأكبر منها في العاصمة، حيث هناك 10 جامعات حكومية رسمية وفرع للجامعة الأردنية في العقبة، وهناك 13 كلية جامعية تقدم برامج الدبلوم والبكالوريوس وتتبع لجامعة البلقاء التطبيقية، فيما يوجد 18 جامعة خاصة، وجامعة إقليمية ( العربية المفتوحة)، وجامعتين ذات قانون خاص ( الحسين التقنية، والعلوم الإسلامية العالمية)، ومعهدين يقدمان برامج جامعية ( الإعلام الأردني، والدراسات المصرفية). وهناك 42 كلية مجتمع خاصة.
إن المتتبع للتعليم العالي في الجامعات الأردنية يلحظ وجود عدد من العناوين البارزة والتي تتطلب البحث الجاد عن السبل الكفيلة بمعالجتها..
هناك عنوان رئيسي يتمثل فيما يدعى بالعنف الطلابي الجامعي، وهو كما تشير المعاينات والتقارير والدراسات أن هذا المصطلح يطلق تعسّفاً ويلتصق بالجامعات، فالعنف ليس طلابياً بحتاً ولا هو مقصور على الجامعات فقط، والواقع يدلل أن غالبية الحوادث التي تقع بين الطلبة لا تستند إلى مرجعية جامعية أو أكاديمية، وإنما تبدأ وقد تنتهي بمرجعيات عشائرية ومشاجرات ذات طابع شخصي وعلائقي يتطور إلى شجار قبلي أو جهوي، وفي جميع الحالات فإن الجامعات مطالبة بوضع القوانين الرادعة وبالعمل المنهجي من أجل نشر ثقافة الحوار وتبادل الأفكار بين الطلبة، وأن يلمس الطالب خطورة ما يترتب على ممارساته العنفية، فالعنف الطلابي هو في حقيقته عنف شخصي عشائري جهوي مصلحي، ولا يمكن أن يكون عنفاً جامعياً، لكن ذلك لا يعني منح الجامعات صك البراءة، فهناك جامعات حاضنة ولديها بيئة خصبة لنمو مثل هذه الظواهر، بل هناك من يغذّي ذلك العنف من خلال التعبير الصريح بالدعم والتأييد وفي أقل الأحوال بالتلميح..
أما العنوان الثاني للجامعات فيتمثل بضحالة المشاركة السياسية للطلبة وبتحجيم الحياة السياسية داخل الحرم الجامعي، ويؤكد المهتمون بأن الوضع في بداية التسعينيات من القرن الماضي كان أفضل بكثيرٍ مما عليه الحال الآن، بل يقولون بأن الخلافات كانت اختلافات في الفكر والتوجّه السياسي، وكانت العناوين الطلابية والشعارات ذات صبغة سياسية راقية، ولم تنحدر إلى المستويات التي بتنا نشهدها في الانتخابات والتحركات الطلابية الحالية، ويشيرون بأن شعار ( ذبحتونا ) له من الدلالات الرمزية التي تبين مدى التراجع في الحياة الطلابية، فيما تقول بعض إدارات الجامعات بأن خيارات الطالب في الحياة والمشاركة السياسية قد تنوعت واتسعت نتيجة تطوّر الحياة ذاتها ونتيجة المتغيّرات والتحولات المحلية والعربية والدولية، فما كان مقبولاً ذات يوم، أصبح مستهجناً وغريباً في هذا الوقت، بل يذهب أحدهم فيقول أن البدائل المتوفرة للطلبة الآن أكبر بكثير وأصدق وأكثر عملية مما كان في السابق، ولا يوجد في الجامعات ما يمنع الطالب من المشاركة أو التعبير عن رأيه بكلّ حريةٍ وأمان، وأن الحكاية لا تتعدى مجرّد إثبات الحضور لأفكار واتجاهات تقادمت وعفا عليها الزمن، وهي تركب موجة الدفاع عن الطلاب دون أن تكون قد أخذت التوكيل منهم في ذلك.. ويؤكدون أن الحالة ما هي إلا نوع من العزوف شبه الجماعي الاختياري لدى الطلبة وربما المجتمع من المشاركة في الحياة الحزبية والسياسية..
العنوان الثالث فيبدو بالتمثيل الطلابي: لقد انحدرت أحلام وتطلعات الطلبة بحيث أصبحت الجمعيات الطلابية القديمة تعدّ أمنية يصعب الوصول إليها في ظلّ وجود هذه المجالس الطلابية الهزيلة وغير الواعية سياسياً وطلابياً، بل إن الأقوال تشير إلى ضمور الحياة الطلابية الحقيقية، لتصبح مجرّد وصايات كاذبة يقوم بها بعض الطلبة من ذوي المصالح الشخصية والجهوية وذلك على حساب الجسم الطلابي ومصالحه الفعلية.. ويؤكد البعض بأنه لم يعد في الجامعات شيء اسمه التوعية السياسية المحايدة والتي أصبحت تأخذ لوناً وصبغةً واحدة، كذلك فإن المؤشرات تبيّن ضحالة الثقافة السياسية لدى طلبة الجامعات والذين لم يعد لديهم من هدفٍ سوى ما تمليه عليهم عمادات شؤون الطلبة التي تلبس قفازات الحرير، لكنها تصبح أداةً قمعية عند احتمال حدوث أي سلوك خارج عن أهوائها ورغباتها.. وهناك تغييب إعلامي واسع للطلبة، حيث لا توجد مطبوعات إعلامية طلابية تليق بمستوى الجامعات المفترض، لدرجة أن أحدهم يطلق على هذه المطبوعات مصطلح ( مجلات الحائط) حيث لا تحتوي سوى على خواطر ساذجة أو محاولات قصصية أو بواكير شعرية وهكذا، وقد تبيّن بأن هذه المطبوعات الطلابية لا تتضمن أبداً رأياً أو مقالاً معارضاً لسياسات جامعية أو نقداً لإجراءات معينة..
والعنوان الرابع يتمثل في تدنّي الهيبة الأكاديمية للجامعات، ويدعّي البعض بأن التعليم الجامعي بات مجرّد امتداد للتعليم المدرسي، إضافة إلى تدنّي الحضور العلمي والأكاديمي للأستاذ الجامعي، حيث هناك صورة مقاربة لصورة الأستاذ المدرسي الذي يخرج من حصّة ويدخل لحصّةٍ أخرى، وعند مراجعة عدد من الأساتذة أجابوا بأن نسبةً مما قيل هو صحيح تماماً، لكنهم أوردوا جملةً من العوامل التي نتج عنها مثل هذا التردّي ومن ذلك التعيينات عبر الواسطة ودون التقيّد بالمعايير الأكاديمية الصارمة، وزيادة أعداد الطلاّب، وزيادة العبء التدريسي على المدرّس الجامعي، وزيادة المهام الإدارية والمكتبية المناطة بالأستاذ الجامعي، والأهم هو تلك الثقافة المترديّة بين الطلبة والتي تقلل من شأن التعليم، وأيضاً هناك المستويات التحصيلية المتدنية لنسبةٍ لا يستهان فيها من الطلبة، هذه العوامل وغيرها تساهم في تدنّي الهيبة الأكاديمية للجامعات.
أما العنوان الخامس فيتمثل في رؤساء الجامعات، حيث يشير البعض إلى وجود عدد من رؤساء الجامعات غير الكفؤين وغير المؤهلين لشغل منصب على هذه الدرجة من الحساسية بل يؤكدون إمكانية قبول وزير بالواسطة، لكنهم لا يستوعبون أبداً قضية أن يكون رئيس جامعة بالواسطة، فالوزير يقود موظفين، لكن رئيس الجامعة يقود قادة من يصنعون القادة، ويقولون أن هناك عدد من رؤساء الجامعات الذين هبطوا بالبراشوت على الجامعات لا تتوفر لديهم المهارات والكفايات العلمية والعملية المناسبة لإدارة مؤسسات بهذا المستوى، وهم نتيجة ذلك يقدمون التنازلات والتسويات المجحفة بحق الجامعة والتعليم الجامعي لمجرّد البقاء في مناصبهم، بل إنهم في كثيرٍ من الأحيان يرضخون لشروط ومتطلبات مفروضة عليهم كي لا تصبح أسمائهم ضمن قائمة الذين يمكن الاستغناء عنهم، وهؤلاء لا يتجرأون على اتخاذ قرارات جامعية قوية وربما غير شعبية نتيجة الشعور بالتهديد الدائم لوجودهم بهذا المنصب الخطير، وهنا يشيد أحدهم بتلك القرارات الجريئة وغير الشعبية لكنها المحترمة أكاديمياً والتي اتخذت في الجامعة الأردنية بفصل مئات الطلبة الذين لم يحققوا متطلبات الحدّ الأدنى للاستمرار في الدراسة، وهذا القرار هدم نظرية كانت سائدة لسنين طويلة بأن من دخل الجامعة فهو آمن.. لكن لم تنته القضية عند هذا الحد، خاصةً وأنه تم إنهاء عمل عدد من رؤساء الجامعات، وتم إحضار بعض الرؤساء الذين تشوب بعضهم علامات استفهام كثيرة من حيث كفائتهم وجدارتهم لقيادة هذه المؤسسات التربوية..
والعنوان السادس فيتمثل في أعداد الخرّيجين المتنامي وغير المنطقي في برامج الدراسات العليا، وحيث الأقوال تشير إلى أن العديد من هذه البرامج أصبحت مجرّد درجة وليست مرحلة تضيف للعلم وللمجتمع شيء، وأصبح الفرد الذي لا يجد ما يعمله يتجّه لمتابعة الدراسات العليا، والموظف الذي لديه من الوقت الزائد أصبح يلتحق ببرنامج دراسات عليا وهكذا، حتى بتنا نشاهد في بعض التخصصات أكثر من خمسين طالباً وطالبة في المادة الواحدة في الماجستير أو الدكتوراه، وهنا نعود لنتذكر بأن التعليم المدرسي سيمتدّ إلى مرحلتي الماجستير والدكتوراه فيما لو استمر الحال كما هو عليه الآن، لكن المعارضين يقولون دع الحياة تنقّي ذاتها وتفرز الأفضل، أي فليلتحق بالتعليم من يشاء، لكن لا تخرّج أنت كيفما كان..
هذه بعض العناوين البارزة للتعليم الجامعي: ما بين العنف الطلابي، والامتداد المدرسي، والحياة السياسية، وكفاءة رؤساء الجامعات, والدراسات العليا، إنها عناوين تشير إلى مدى الحاجة لمراجعات جادة لمسيرة التعليم العالي في الأردن.


