الخطيب يكتب: الرصاصة التي كادت أن تقتل ياسر عرفات في عمان

عمان بوست -بقلم م. مدحت الخطيب
رصاصة خرجت من مسدس طفل في بيت والده بالشميساني، واتجهت نحو ياسر عرفات ابو عمار .
نعم… نحو ياسر عرفات
لو أصابت هدفها يومها، لربما لم نكن نقرأ التاريخ الفلسطيني بالطريقة التي نعرفه بها اليوم، ولربما تغيّرت أشياء كثيرة في مسار القضية الفلسطينية ومرحلة عرفات برمتها…
لكن الرصاصة أخطأت طريقها، وبقيت الحكاية وقصتها عالقة في ذاكره الزميل الشريف.
حدثنا عنها الزميل إسماعيل الشريف، عضو مجلس إدارة جريدة «الدستور»، وابن الأستاذ معالي المرحوم كامل الشريف، المجاهد في حرب عام 1948 ،وأحد مؤسسي الاعلام الحديث في الأردن، والمفكر الإسلامي البارز.
يروي إسماعيل أن والده كان يستضيف في منزله بالشميساني عددا من القيادات الأردنية والفلسطينية من مختلف الفصائل، ومن بينها “فتح”، بهدف تدارك الانفجار المحتوم في العلاقة الأردنية مع الفصائل الفلسطينية في ذلك الوقت … وكان محور هذه الاجتماعات هو نزع فتيل هذه الأزمة …
وفي أحد الأيام، كان هناك مسدس يخص والده ومخبأ داخل المنزل، وكان إسماعيل يومها طفلا لم يبلغ الخامسة ذهب إلى المسدس دون أن يدرك خطورته، فأخرجه وذهب به إلى الحديقة، ثم وضعه على صدره، ومن لطف الله أن ماسورة المسدس كانت مصوبة إلى الخارج، فانطلقت رصاصة اخترقت زجاج الغرفة ودخلت إلى غرفة المجتمعي مع عرفات وباقي الشخصيات التي لم يتذكر احد منهم…
في تلك اللحظة، لم تعد المسألة بالنسبة لعرفات مجرد عبث طفل. وفي ظل الظروف السياسية والأمنية التي كانت تحيط به، تلقى الحادثة بجدية بالغة، معتقدا أن الاجتماع لم يكن سوى فخا لاغتياله…
والأيام تغيّر الكثير من الأشياء، ولكن الذكريات لا تمحوها الأيام…
فبعد سنوات طويلة، وفي التسعينيات من القرن الماضي، وخلال أحد الاجتماعات المتعلقة بالقضية الفلسطينية في القاهرة، وبعد عودة المرحوم كامل الشريف إلى عمان، وفور لقائه بولده، مازحه قائلا: “احزر من يسلم عليك؟” ثم أكمل: “ياسر عرفات”، فقد ذكرني بقصة محاولة الاغتيال الفاشلة التي قمت بها، قائلا: “سلّم على إسماعيل، لكن لا تجعله يطلق النار عليّ مرة أخرى”
وهكذا تحولت رصاصة كان يمكن أن تكتب فصلًا مختلفًا في التاريخ، إلى واحدة من أطرف الذكريات التي بقيت من ذلك الزمن…
والحكاية التي رواها لنا إسماعيل ليست مجرد قصة عن طفل عبث بمسدس؛ إنها صورة لزمن كان البيت الأردني فيه يفتح أبوابه لقيادات فلسطينية من مختلف الاتجاهات، وتُناقش فيه قضايا المنطقة، وتتداخل السياسة بالصداقة، والاختلاف بالعتب، ثم تأتي الأيام لتطوي ما لا يستطيع السياسيون طيه…
أما إسماعيل، فلم يكن يومها يعرف أن لحظة عبث طفولية يمكن أن تضعه في مواجهة تاريخ بأكمله.
لكنها الأقدار…
رصاصة واحدة خرجت بالخطأ في بيت بالشميساني، واتجهت نحو رجل كان يحمل قضية بأكملها على كتفيه، ثم احتاجت الحكاية إلى سنوات حتى تنتهي بجملة من عرفات نفسه:
«بس لا تخليه يطخني مرة ثانية.»..
م مدحت الخطيب كاتب ونقابي اردني
Medhat_505@yahoo.com



