أقلام بوست

العرجان يكتب : تسلق الجبال والإنزال بالحبال… بين ضعف الرقابة وضرورة الدعم

عبدالرحيم العرجان

عمان بوست – بقلم عبدالرحيم العرجان
رحّالة وباحث في سياحة المغامرة

ليست الجبال في المملكة مجرد تضاريس صامتة، ولا الأودية والشقوق الصخرية مجرد مشاهد طبيعية تستقطب محبي المغامرة؛ إنها فضاءات واسعة لرياضات نوعية، تحمل في طياتها فرصًا سياحية واقتصادية، وتفتح أمام الشباب الأردني آفاقًا لاكتشاف الطبيعة، واختبار القدرات، وصناعة تجارب استثنائية في أحضان الوطن معززة الانتماء.
وقد شهدت رياضات تسلق الجبال والإنزال بالحبال انتشارًا ملحوظًا بين الشباب والمجموعات المغامرة، وأصبحت جزءًا من المشهد المتنامي لسياحة المغامرة، لا وبل اصبح الكثير من الزملاء في الدول الشقيقة والصديقة ياتي خصيصا لممارستها.
لكن هذا الانتشار، بما يحمله من فرص واعدة، يضعنا أمام مسؤولية كبيرة، ويطرح تساؤلات جدية حول مستوى الرقابة والإشراف، ومدى الالتزام بمعايير السلامة العامة، وآليات تنظيم هذه الأنشطة ومتابعة الجهات التي تنفذها، خصوصًا في المواقع التي تتطلب خبرة فنية وتجهيزات متخصصة، ولا تحتمل فيها الأخطاء أو الاجتهادات الفردية.
فالمغامرة الحقيقية لا تعني المجازفة بالحياة، والشجاعة لا تعني تجاوز إجراءات السلامة، بل إن جوهر هذه الرياضة يقوم على المعرفة والتدريب والانضباط، والقدرة على التعامل مع المخاطر قبل وقوعها.
وقد شهدنا حوادث سقوط مأساوية في المناطق الجبلية، من بينها وفاة شاب عشريني إثر سقوطه عن أحد جبال وادي رم قبل يومين اودت للوفاة، وفق المعلومات المتداولة، لتعيد فتح ملف السلامة في الأنشطة الجبلية، وتؤكد أن التعامل مع هذه الحوادث لا ينبغي أن يقتصر على الاستجابة بعد وقوعها.
ولا بد هنا من التمييز بين حوادث التسلق والإنزال بالحبال، وحوادث السقوط أثناء التنزه أو المشي “الهايكينج”؛ فلكل منها ظروفها ومخاطرها، ولا يصح جمعها في إحصائية واحدة دون تصنيف دقيق. كما أن غياب إحصائية وطنية منشورة وشاملة لا يعني غياب الحوادث، بل يعزز الحاجة إلى قاعدة بيانات موثقة، تكشف أعدادها وأسبابها وطبيعة الأنشطة التي وقعت خلالها.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: كم حادثًا وقع فحسب؟ بل: كم حادثًا كان بالإمكان تفاديه لو توفرت إجراءات رقابية أكثر فاعلية، وتدريب كافٍ، ومعدات مطابقة للمواصفات، وإشراف فني مؤهل؟
كما أن الاستثمار في إنشاء مراكز تدريب متخصصة تحت اشراف وزارة الشباب، وتطوير مسارات آمنة ومعتمدة من وزارة السياحة والاثار، وإيجاد برامج لتأهيل الشباب الأردني من الممارسين لهذة الرياضة وليس الادلاء فحسب، من شأنه أن ينقل هذه الهواية من الاجتهادات المتفاوتة إلى الممارسة المهنية المنظمة، ويخلق فرص عمل جديدة، ويعزز مكانة الأردن على خارطة سياحة المغامرة، وهناك الكثير من المنظمات الدولية الممكن ان تقدم الدعم لذلك.
فالمنع قد يكون إجراءً مؤقتًا ومبررًا في موقع خطر أو نشاط لا يستوفي شروط السلامة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن التنظيم والتأهيل والرقابة. والفرق كبير بين إيقاف نشاط خطر حتى تصويب أوضاعه، وبين إيقاف رياضة كاملة بسبب قصور في إدارتها.
ونحن بحاجة إلى سجل وطني معلن لحوادث التسلق والإنزال بالحبال والمشي الجبلي، وإلى مراجعة دورية للتشريعات والتعليمات الناظمة، وإلى شراكة حقيقية مع أصحاب الخبرة الميدانية الذين يعرفون طبيعة الجبال والأودية ومخاطرها من المتمرسين وابناء المكان، لا أن يُتركوا خارج دائرة صنع القرار.
إن حماية الأرواح وتطوير السياحة ليسا هدفين متعارضين، بل هما وجهان لنجاح واحد. ولا يمكن أن نبني سياحة مغامرة مستدامة دون منظومة سلامة تحمي الزائر والممارس والمنظم، وتصون سمعة الأردن بوصفه وجهة قادرة على تقديم تجارب مغامرة آمنة ومسؤولة.
إن الجبال ستبقى مفتوحة لعشاقها، والمغامرة ستبقى شغفًا لدى أجيال من الشباب، لكن مسؤوليتنا أن نجعل العودة من الرحلة جزءًا أصيلًا من نجاحها.
فلا نريد أن تكون الحوادث سببًا في إغلاق أبواب رياضة واعدة كما حدث باغلاق منافذ عدد من اودية البحر الميت، ولا أن يصبح دعمها مبررًا للتهاون في سلامة ممارسيها. ما نريده هو رقابة فاعلة، وتدريب حقيقي، ومعدات آمنة، ومحاسبة عادلة، ودعم مؤسسي يليق برياضة تشكل إحدى ركائز مستقبل سياحة المغامرة في الأردن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى