د. الطراونة يكتب : اليمن يعود إلى قلب العاصفة: تصعيد عسكري وسلام بعيد المنال

عمان بوست – بقلم د. علي الطراونة
تعود الحرب اليمنية إلى واجهة الأحداث الإقليمية مع تصاعد المواجهات العسكرية، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع إلى ما وراء الحدود اليمنية. فبعد سنوات من الحرب والانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية والإنسانية، تواجه البلاد مرحلة جديدة تتشابك فيها الحسابات المحلية مع التوترات الإقليمية، لتضع مستقبل اليمن أمام تحديات أكثر تعقيدًا.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تراجع فرص احتواء المواجهات بالوسائل السياسية وحدها، خصوصًا مع تجدد العمليات العسكرية وارتفاع أهمية المواقع الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويبرز السؤال الأهم: هل يقود التصعيد الحالي إلى تغيير موازين القوى، أم أنه يفتح الباب أمام جولة طويلة أخرى من الحرب؟
شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا في العمليات العسكرية على عدد من الجبهات اليمنية، بالتزامن مع تحركات للقوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، ومواجهات مع جماعة أنصار الله (الحوثيين)، التي تسيطر على صنعاء ومناطق واسعة من شمال غرب البلاد.
وفي 4 أكتوبر 2026، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إطلاق عمليات عسكرية لاستعادة مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين. ووفقًا لتقارير إخبارية، تركز جانب مهم من التطورات على المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر، لما تمثله من أهمية عسكرية واقتصادية واستراتيجية.
ولا تقتصر خطورة هذه التطورات على احتمالات تغير خطوط السيطرة، بل تمتد إلى خطر اتساع المواجهات لتشمل مناطق مأهولة بالسكان، وتعطيل طرق الإمداد، وزيادة صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.
كما أن استمرار العمليات العسكرية يثير تساؤلات بشأن قدرة الأطراف المتحاربة على تحقيق مكاسب حاسمة، في ظل تعقيدات التضاريس اليمنية، وتعدد القوى المسلحة، وتباين الأهداف السياسية والعسكرية.
و تكتسب التطورات في اليمن أهمية تتجاوز حدود البلاد بسبب موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر وقربها من مضيق باب المندب، أحد الممرات الحيوية للتجارة البحرية العالمية.
وأصبحت السيطرة على المناطق الساحلية، وتأمين حركة السفن، ومنع استخدام الممرات البحرية في العمليات العسكرية، عوامل مؤثرة في حسابات الأطراف المحلية والإقليمية.
ويحمل أي تصعيد في هذه المنطقة مخاطر متعددة، أبرزها اضطراب حركة التجارة الدولية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واحتمال انتقال المواجهات إلى نطاق أوسع يشمل قوى إقليمية ودولية.
وفي هذا السياق، حذرت الأمم المتحدة في إحاطة المبعوث الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أمام مجلس الأمن في 13 أغسطس 2026، من تجدد الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، ومن ارتباط التطورات اليمنية بالتوترات الإقليمية الأوسع. ا
ومن ثم، لم يعد مستقبل الحرب اليمنية مرتبطًا فقط بموازين القوى داخل البلاد، بل أصبح متصلًا أيضًا بأمن الملاحة البحرية واستقرار المنطقة.
و يمثل الدور السعودي أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار الصراع اليمني، سواء من خلال دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أو عبر الحسابات الأمنية المرتبطة بالحدود والمنشآت الحيوية والممرات البحرية.
وفي المقابل، تشكل قدرات الحوثيين العسكرية والصاروخية، وعلاقاتهم الإقليمية، عنصرًا أساسيًا في تحديد طبيعة المواجهة ومدى إمكانية احتوائها.
وفي تطور لافت، الهجوم الحوثي المميت الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، والذي أدى إلى سقوط ضحايا مع حدوث اضطرابات في حركة الطيران، وسط تهديدات بمزيد من الهجمات وتزايد المخاوف من ردود عسكرية متبادلة.
ويعكس هذا التطور خطورة انتقال المواجهة من الجبهات اليمنية إلى أهداف داخل دول الجوار، بما قد يوسع نطاق الحرب ويزيد صعوبة العودة إلى التهدئة.
ومع ذلك، فإن اتساع المواجهة لا يعني بالضرورة الوصول إلى نتيجة عسكرية حاسمة؛ فقد يؤدي التصعيد إلى استنزاف إضافي للموارد، وتزايد الخسائر البشرية والاقتصادية، وارتفاع الحاجة إلى وساطة سياسية أكثر فاعلية.
وسط التطورات العسكرية والسياسية، يظل المدنيون اليمنيون الطرف الأكثر تعرضًا لتداعيات الصراع. فسنوات الحرب أضعفت الاقتصاد، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية، وقلصت قدرة قطاعات واسعة من السكان على الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة
وهذ الصراع الى نزوح أعدد كبيره من اليمنيين المتواجدين في مناطق الصراع ولكن لا تقف المعاناة عند النزوح والجوع، بل تشمل تفكك مصادر الدخل، وصعوبة الحصول على الأدوية، وتعطل الخدمات العامة، وارتفاع الأعباء المعيشية على الأسر.
وتزداد خطورة هذه الأزمة عندما تتزامن الاحتياجات المتصاعدة مع نقص التمويل الإنساني وتعطل الطرق والموانئ، الأمر الذي يجعل وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة أكثر صعوبة.
و على الرغم من تصاعد المواجهات، لا تزال التسوية السياسية تمثل المسار الذي يمكن أن يحد من استمرار الحرب ويمنع تفاقم الانقسام اليمني.
لكن الوصول إلى اتفاق مستدام يتطلب معالجة ملفات معقدة، من بينها وقف إطلاق النار، وترتيبات الأمن، ومستقبل المؤسسات الحكومية، وتوزيع الموارد، ووضع المناطق الخاضعة لسيطرة الأطراف المختلفة، وضمان مشاركة القوى السياسية والمجتمعية في العملية الانتقالية.
كما أن تعدد الأطراف المؤثرة داخل اليمن، إلى جانب تداخل المصالح الإقليمية والدولية، يجعل أي اتفاق محتمل أكثر تعقيدًا من مجرد تفاهم ثنائي بين طرفين.
وتبقى فعالية الوساطة مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتحويل التفاهمات إلى إجراءات ملموسة، تشمل حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، والامتناع عن استهداف المنشآت المدنية، وتهيئة الظروف اللازمة للحوار
ا ما المسارات او السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة
السيناريو الأول: استمرار التصعيد العسكري.
قد تستمر العمليات على الجبهات الرئيسية، مع تبادل الهجمات وتزايد الضغط على المناطق الساحلية والمواقع الاستراتيجية. وقد يترتب على ذلك ارتفاع أعداد النازحين وتفاقم الأزمة الإنسانية.
السيناريو الثاني: اتساع المواجهة إقليميًا.
إذا تواصلت الهجمات العابرة للحدود والعمليات المرتبطة بالممرات البحرية، فقد تتزايد مشاركة أطراف إقليمية ودولية في المواجهة، بما يرفع المخاطر الأمنية والاقتصادية.
السيناريو الثالث: العودة إلى التهدئة والتفاوض.
قد تدفع الخسائر المتزايدة والضغوط الدولية والأعباء الاقتصادية الأطراف نحو ترتيبات لوقف التصعيد واستئناف الحوار. غير أن نجاح هذا المسار يتطلب ضمانات واضحة وآليات لمراقبة الالتزامات ومعالجة القضايا السياسية والأمنية العالقة.
وتظل هذه السيناريوهات احتمالات تحليلية وليست توقعات مؤكدة، إذ يعتمد المسار الفعلي على القرارات العسكرية والسياسية التي ستتخذها الأطراف خلال الفترة المقبلة.
وفي النهاية اليمن بحاجة إلى سلام يتجاوز وقف إطلاق النار حيث تكشف التطورات الأخيرة أن اليمن يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها المواجهات العسكرية مع الصراعات الإقليمية والأزمات الاقتصادية والإنسانية. وقد يؤدي استمرار التصعيد إلى توسيع دائرة الحرب وتعميق الانقسام، بينما يظل الحل السياسي الشامل الطريق الأكثر قدرة على معالجة جذور الأزمة.
لكن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد توقف إطلاق النار؛ بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على أداء وظائفها، واقتصاد يوفر الحد الأدنى من الاستقرار، وضمانات لحماية الحقوق والحريات، وتسوية سياسية تستوعب تنوع المجتمع اليمني وتحد من أسباب الصراع.
و يبقى مستقبل اليمن مرهونًا بقدرة الأطراف على تقديم تسوية تحفظ حياة المدنيين، وتعيد بناء الثقة، وتضع مصالح السكان فوق حسابات المواجهة. فبعد سنوات طويلة من الحرب، لم يعد السؤال مقتصرًا على من يسيطر على الأرض، بل أصبح متعلقًا بقدرة اليمنيين على استعادة دولتهم، وصون وحدتهم، وبناء مستقبل لا تتحكم فيه الحرب.
تحياتي
د علي الطراونة



