عمان بوست – تثير الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة للمسجد الأقصى مخاوف من محاولات تغيير الوضع القائم في المسجد، في ظل تزايد أعداد المستوطنين المقتحمين، وممارسة طقوس دينية داخل باحاته تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، وسط تحذيرات من أن تكرار هذه الممارسات قد يمهّد لفرض تغييرات على طبيعة المكان ووضعه التاريخي والقانوني.
وتصاعدت الاقتحامات بالتزامن مع موسم الأعياد اليهودية، إذ أعلنت محافظة القدس أن 11,409 مستوطنين اقتحموا المسجد خلال الفترة الممتدة من رأس السنة العبرية وحتى الأول من تشرين الأول 2026، بينهم 9,138 مستوطنا خلال 5 أيام من عيد العرش، وسط تزايد أداء الطقوس الدينية داخل المسجد ومحيطه.
ووفق تقرير لمحافظة القدس، اقتحم 27,830 مستوطنا المسجد الأقصى خلال الربع الثالث من العام الحالي، إضافة إلى دخول 13,113 شخصا تحت مسمى السياحة، في ظل توسيع نطاق الممارسات والطقوس الدينية بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست وحاخامات وقيادات جماعات الهيكل.
تكرار الطقوس قد يحوّل الممارسات الاستثنائية إلى واقع مفروض
يرى مستشار محافظة القدس معروف الرفاعي أن ما يجري في المسجد الأقصى يتجاوز الاقتحامات إلى محاولات تغيير طبيعة الممارسات داخله، من خلال أداء الصلوات والسجود الجماعي والنفخ بالبوق والرقص والغناء، وإدخال الرموز والأدوات الدينية، تحت حماية الشرطة الإسرائيلية.
ويحذر الرفاعي من أن تكرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى فرض وقائع جديدة داخل المسجد، موضحا أن خطورة ما يجري تكمن في تراكم الإجراءات وتحولها تدريجيا إلى ممارسات معتادة، بما قد يمهّد لفرض تقسيم زماني أو مكاني.
ويشير إلى أن متابعة أعداد المقتحمين وطبيعة الطقوس التي يؤدونها والمواقع التي يتركزون فيها، إلى جانب القيود المفروضة على المصلين المسلمين، تكشف عن محاولات لتوسيع نطاق هذه الممارسات، وصولا إلى تخصيص أوقات للمستوطنين وتقييد دخول المسلمين خلالها.
ووثقت محافظة القدس، خلال الربع الثالث من العام، تكرار الصلوات الجماعية والسجود والنفخ بالبوق وإدخال الكتب والأدوات الدينية والقرابين النباتية إلى المسجد، بالتزامن مع فرض قيود على دخول المصلين المسلمين والتضييق على موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، وفق تقريرها الفصلي.
69 ألف مستوطن اقتحموا الأقصى منذ بداية العام
قال الباحث والخبير في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية علي الأعور إن نحو 69 ألف مستوطن اقتحموا المسجد الأقصى منذ بداية العام، مشيرا إلى أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، بمشاركة وزيري الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش، تشجع هذه الاقتحامات في إطار توجهات اليمين الإسرائيلي.
وأوضح الأعور أن التصعيد يرتبط بمحاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى، لافتا إلى وجود حاخامات يهود أصدروا فتاوى تحرّم دخول اليهود إلى المسجد، من بينهم الحاخام عوفاديا يوسف وابنه يتسحاق يوسف.
وأشار إلى دور جماعات استيطانية، من بينها جماعة “جبل الهيكل بأيدينا”، في تنظيم الاقتحامات والدعوة إلى تكثيفها، موضحا أن بعض التفسيرات الدينية اليهودية تربط إقامة الهيكل الثالث بتدخل إلهي وعودة المسيح المخلّص، لا بجهد بشري.
وربط الأعور تصاعد الاقتحامات بالحسابات السياسية والانتخابية الإسرائيلية، مشيرا إلى أن اليمين يسعى إلى استقطاب أصوات التيار الديني القومي وإظهار السيطرة على المسجد الأقصى، وشدد على أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك السيادة على المكان.
وتزامن تصاعد الاقتحامات مع اقتراب انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، المقررة في 27 تشرين الأول 2026، وفق الجدول الرسمي للجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، فيما بدأت في 13 تشرين الأول حملات الدعاية الانتخابية عبر التلفزيون والإذاعة، قبل أسبوعين من موعد الاقتراع.
الانتقال إلى الطقوس والمسار القضائي يهدد الوضع القائم
قال الأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية والشؤون الأميركية والإسرائيلية حسين الديك إن ما يجري في المسجد الأقصى خلال العامين الماضيين يعكس مسارا تراكميا يتجاوز الاقتحامات إلى تكريس طقوس دينية داخل باحاته، بمشاركة مستوطنين من التيار الصهيوني الديني، وتحت حماية الشرطة الإسرائيلية.
وأشار الديك إلى أن أعداد المقتحمين تجاوزت ألفي مستوطن في أحد الأيام، بالتزامن مع أداء صلوات وطقوس مرتبطة بعيد العرش، وإدخال الأنواع الأربعة من النباتات المرتبطة بالمناسبة، وهي الأترج والآس وسعف النخيل والصفصاف، وتركها داخل المسجد.
وبحسب محافظة القدس، بلغ عدد المقتحمين في 30 أيلول 2,474 مستوطنا، وهو “أعلى عدد يومي” سجلته المحافظة خلال الأيام الخمسة من عيد العرش التي شملها رصدها، الممتدة من 27 أيلول حتى الأول من تشرين الأول.
وأوضح الديك أن تكرار هذه الطقوس قد يحوّلها إلى ممارسات معتادة، لافتا إلى أن جماعات مرتبطة بما يسمى “جبل الهيكل” تطالب بالسماح لليهود بدخول المسجد يوم السبت، وقد لجأت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بذلك.
وحذر الديك من أن صدور قرار قضائي في هذا الاتجاه قد يؤثر في الوضع القائم منذ عام 1967.
مساع إسرائيلية لتحويل الأقصى إلى مكان عبادة مشترك
قال الأكاديمي والباحث الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة إن المسجد الأقصى يمثل إحدى ساحات الصراع المركزية، مشيرا إلى أن التوجهات الإسرائيلية تسعى إلى تغيير طبيعته من مكان إسلامي خالص إلى مكان مشترك بين المسلمين واليهود، وصولا إلى محاولة فرض السيطرة اليهودية عليه.
وأضاف أن التركيز يتجه، بعد محاولات فرض التقسيم الزماني، نحو تخصيص مساحة داخل المسجد لأداء الطقوس اليهودية، مع اهتمام خاص بمنطقة باب الرحمة.
وأوضح هلسة أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يستغل الظروف الفلسطينية والانقسام العربي والتطورات الإقليمية المرتبطة بالصراع بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، لدفع هذه التوجهات.
وأشار إلى أن السنوات الأربع الماضية شهدت تصعيدا في الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالمسجد الأقصى والأسرى والاستيطان، مقارنة بالحكومات السابقة، لافتا إلى أن الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع هذه الخطوات على أساس أن كلفتها السياسية والأمنية قابلة للاحتواء.
وشهدت الاقتحامات خلال العام الحالي مشاركة مسؤولين إسرائيليين، بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي شارك في اقتحام المسجد في 23 تموز، بالتزامن مع اقتحام 4,248 مستوطنا في ذلك اليوم، وفق تقرير محافظة القدس عن الربع الثالث من العام الحالي.
الهيكل المزعوم هدف إسرائيلي معلن
قال مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري إن الاقتحامات والطقوس الدينية داخل المسجد الأقصى تأتي في سياق مساع لإقامة ما يسمى “الهيكل”، مشيرا إلى أن هذا الهدف كان مطروحا في النقاشات الإسرائيلية قبل السابع من تشرين الأول 2023.
وأوضح الحموري أن إحضار خمس بقرات حمراء وتخصيص الحكومة الإسرائيلية أموالا لمشاريع مرتبطة بإقامة الهيكل، يعكسان وجود خطوات عملية في هذا الاتجاه، لافتا إلى أن أحداث السابع من تشرين الأول أعاقت هذه المساعي، وأنها قد تتجدد بوتيرة أكبر.
وأشار إلى أن هذه التحركات تشمل الاقتحامات والطقوس ومحاولات توفير مسارات قانونية لها، إلى جانب تداول مقاطع مصورة ونماذج تجسد الهيكل المزعوم في موقع المسجد الأقصى وقبة الصخرة.
وأضاف أن استخدام مصطلح “جبل الهيكل” بدلا من المسجد الأقصى يأتي ضمن محاولة ترسيخ رواية إسرائيلية بشأن المكان، محذرا من أن تكرار هذه الخطوات يهدف إلى تغيير الواقع القائم وتهيئة الظروف لفرض تصورات جديدة بشأن مستقبل المسجد.



