العبادي يكتب :الكرامة تصنع المجد وتخلّد الذكرى

عمان بوست – بقلم وسيم العبادي
في الحادي والعشرين من آذار عام 1968، لم يكن الأردن على موعد مع معركةٍ عابرة، بل مع لحظةٍ فارقة أعادت رسم ملامح الكبرياء العربي. هناك، حيث الأرض تعرف أصحابها، وحيث الدم يمتزج بالتراب ليكتب الحقيقة، وقعت معركة الكرامة، لا كحدثٍ عسكري فحسب، بل كصرخة أمة رفضت أن تُهزم مرتين.
بعد عامٍ واحد فقط من انكسار الروح العربية، جاء ذلك اليوم ليكسر القاعدة، ويُسقط الوهم الذي حاول الجيش الإسرائيلي ترسيخه بأن الهزيمة قدرٌ محتوم. لكن في الكرامة، تغيّرت المعادلة. لم يكن الجندي الأردني يقاتل بسلاحه فقط، بل بإيمانه، بعقيدته، بإحساسه العميق أن التراجع ليس خيارًا، وأن الأرض لا تُسلَّم إلا على جثث المدافعين عنها.
تحطمت غطرسة الجيش الإسرائيلي على صخور الإرادة، وتبدد وهم “القوة التي لا تُقهر” أمام رجالٍ لم يملكوا ترف الانكسار. كانت الكرامة لحظة استعادة التوازن، وإعلانًا مدويًا أن لهذه الأمة قلبًا ما زال ينبض، وأن الأردن، رغم كل ما مرّ به، قادر على أن يقف ويقول: هنا نقف… وهنا نصمد.
لم تكن الكرامة مجرد نصرٍ عسكري، بل كانت ولادة وعي جديد. وعيٌ أدرك أن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن السيادة ليست شعارًا، بل موقفٌ يُدفع ثمنه دمًا وصبرًا وثباتًا. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الأردني يرى نفسه كما كان؛ صار أكثر صلابة، أكثر التصاقًا بأرضه، وأكثر يقينًا أن الدفاع عن الوطن ليس مهمة، بل هوية.
امتد أثر الكرامة عبر الزمن، متجاوزًا حدود الجغرافيا والحدث، ليصبح حالة وطنية دائمة. في كل أزمة، في كل تحدٍ، يعود الأردني إلى تلك اللحظة، يستمد منها القوة، ويستحضر معناها العميق: أن الانتصار يبدأ من الداخل، من الإرادة التي لا تُكسر.
واليوم، ونحن نستعيد هذا اليوم، لا نستحضره كذكرى، بل كمسؤولية. الكرامة ليست قصة تُروى، بل عهدٌ يتجدد. هي معيارٌ نقيس به مواقفنا، وبوصلةٌ تُعيدنا إلى الطريق كلما حاولت الرياح أن تشتتنا.
ستبقى الكرامة أكثر من تاريخ… ستبقى صوتًا لا يخفت، ودرسًا لا يشيخ، وناقوسًا يطرق أبواب المستقبل، ليقول للأجيال: هنا صُنع المجد، وهنا ستبقى الذكرى خالدة ما بقيت الكرامة حيّة في القلوب.



