أقلام بوست

العرجان يكتب : صناعة الوهم: كيف يُعاد تشكيل التاريخ عبر المنصات؟ (ردود وآراء دولية)

عمان بوست – بقلم عبدالرحيم العرجان

إن أخطر ما يهدد الذاكرة اليوم ليس الجهل الصريح، بل اليقين الزائف الناتج عن معلومات جذابة وغير مُحققة؛ يقينٌ يُبنى بسرعة، لكنه ينهار عند أول اختبار علمي جاد. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة الفضاء الرقمي: فهو لا ينسى الخطأ، بل يعيد تدويره حتى يبدو حقيقة.

عقب نشر مقالنا “صناعة الوهم: كيف يُعاد تشكيل التاريخ عبر المنصات؟”، تباينت ردود الأفعال وتعددت الآراء الصادرة عن نخبة من أصحاب الخبرة والمعرفة في هذا المجال، نطرحها الان بموضوعية وحياد أمام صُنّاع القرار.

د. حنان مصطفى الرمحي / المدير العام لمدرسة فلسطين الامريكية – فلسطين

يطرح هذا الموضوع قضية مهمة في نصابها الصحيح، ويدق ناقوس الخطر، مؤكدًا على ضرورة التحلي بالحرص والدقة الموضوعية عند تناول هذا الإرث الغني الذي يجمع بين التاريخ والتراث والطبيعة والعادات والتقاليد.

في الآونة الأخيرة، برزت ظاهرة لافتة بين نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في وطننا العربي، مدفوعة بشغفنا الكبير لاكتشاف وعرض مواقع أثرية وسياحية وتراثية، إلى جانب عادات وتقاليد لم تحظَ باهتمام كافٍ من وسائل الإعلام، وهذه الرغبة نابعة من ارتباطنا العميق بأمجادنا ورغبتنا في إبرازها.

غير أن هذا الحماس، على أهميته، أدى في بعض الأحيان إلى التغاضي عن معايير المهنية والاحترافية التي يقوم عليها الإعلام الحقيقي، سواء في بناء المحتوى المعرفي أو في نقل الصورة بدقة وموضوعية، وقد يكون هذا التساهل غير مقصود، ويُبرَّر برغبتنا الصادقة في التعلم واكتشاف الجديد، لكنه يبقى بحاجة إلى مراجعة.

إن المرحلة الحالية تتطلب منا مزيدًا من الوعي والحرص على دقة المعلومة، وجودة أسلوب تقديمها، بما يتناسب مع مختلف المستويات الثقافية، فهذه الجهود تمثل نواة لبناء وعي معرفي، وأسلوب الطرح يجب أن يكون عصريًا، دون أن يفقد أصالته، فإن لم تُبنَ هذه البداية على أسس ومعايير سليمة، سيكون من الصعب تصحيح المسار لاحقًا، وعند النظر إلى تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، نجد أنها قامت على منهجية علمية راسخة، أسسها مؤرخون وكتّاب ومنتجو أعمال وثائقية، ما منحها عمقًا ومصداقية.

أما نحن، فما زلنا في مرحلة التأسيس، وهو ما يستدعي مزيدًا من المسؤولية والالتزام، حتى نحافظ على إرثنا ونقدّمه بالصورة التي يستحقها.

عبدالحكيم البلبيسي/ دليل سياحي – الاردن

النص يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بسطحية بعض محتوى المؤثرين وخطورته على الوعي العام، وهو طرح مهم، لكنه يبقى في حدود النقد الإعلامي ولا يلامس جوهر المشكلة المعرفية الأعمق.

فالمقالة تنطلق من فرضية أن الخلل يكمن في طريقة عرض التاريخ والتراث، أي في “من يروي” و”كيف يروي”، بينما الإشكال الحقيقي يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر جوهرية: ما طبيعة المعرفة التي نعيد إنتاجها أصلا، وعلى أي مرجعية تستند؟

إن اختزال المشكلة في أداء المؤثرين قد يقودنا إلى استبدال فاعل بآخر دون تغيير البنية نفسها. فحتى حين ننتقد السطحية، فإننا في كثير من الأحيان نستند إلى روايات تاريخية لم تُفكك بعد، تشكلت في سياقات استشراقية أو ضمن قراءات غربية اعتمدت في كثير من الأحيان على النص التوراتي كمرجعية تفسيرية للمكان. وهنا يصبح التناقض واضحا: نرفض التبسيط، لكننا لا نعيد مساءلة الأصل الذي يتم تبسيطه.

المشكلة، إذن، ليست فقط في تسويق سياحي سطحي يصنعه بعض المؤثرين، بل في غياب مشروع معرفي محلي يعيد قراءة التراث والمواقع الأثرية قراءة نقدية مستقلة. فبدل أن ننتقل من اعتماد غير نقدي على المستشرقين إلى اعتماد غير متخصص على المؤثرين، نجد أنفسنا نتحرك داخل الدائرة نفسها، مع اختلاف الأدوات فقط.

كما أن الدعوة إلى ضبط المحتوى أو تعزيز وعي المتلقي، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها. لأن الوعي لا يُبنى فقط عبر التحذير من الخطأ، بل عبر توفير بديل معرفي رصين. وهذا البديل لا يمكن أن يتشكل دون عمل منهجي طويل، يقوم على البحث، والتدقيق، وإعادة قراءة النقوش والمخطوطات والمصادر التاريخية ضمن سياقها المحلي.

من هنا، فإن الحل لا يكمن في تقليص دور المؤثرين، ولا في الانكفاء عن الدراسات الغربية، بل في إعادة تعريف العلاقة مع كليهما
نستفيد من الجهد التوثيقي للمستكشفين والباحثين الغربيين، لكن دون التسليم المطلق برواياتهم، ونفسح المجال للمؤثرين، لكن ضمن إطار يجعلهم ناقلين مسؤولين لا منتجين للحقيقة.

إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو بناء سياحة قائمة على الأثر النفسي للمحتوى في العقل الجمعي، لا على القيمة التاريخية الفعلية للموقع. فهذه سياحة سريعة الزوال، تستهلك المكان ولا تفسره.

لذلك، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تنظيم الخطاب، بل إلى تأسيس ورشات عمل ومشاريع بحثية تعيد فحص هذا الإرث، وتنتج معرفة محلية قادرة على أن تكون مرجعا، لا مجرد صدى لروايات سابقة أو محتوى عابر.

في النهاية، لسنا أمام خيار بين مؤثر سطحي وباحث تقليدي، بل أمام ضرورة ملحة لسد فراغ معرفي. وإذا لم ننجح في ذلك، سنظل ننتقل من رواية غير مفحوصة إلى أخرى مبسطة، وفي كلتا الحالتين سنبتعد عن الحقيقة.

أ . لمياء عبدالرضا عطية/ استاذ مساعد بجامعة بغداد – العراق

ان تناول التراث التاريخيّ عبر المنصات الإلكترونية في الوقت الراهن تحوّلًا نوعيًا ملحوظًا، إذا أصبح المحتوى التاريخي متاحًا على نطاق واسع وبسرعة غير مسبوقة، لكن هذا الاتساع في الانتشار يقترن بإشكاليات منهجية جوهرية، تتعلق بضعف الاحترافية وغياب الالتزام بالنهج العلمي.

يرتبط تحليل الوقائع التاريخية بطبيعتها المركّبة، إذ لا يمكن اختزالها في مجرد سرد للأحداث، بل هي نتاجات معقّدة بين السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والفنية ومن ثمّ، يتطلب فهمها وتحليلها مع توظيف أدوات منهج دقيق، تشمل نقد المصادر، والمقارنة بين الروايات، واستيعاب السياق الزمني للأحداث. وأي خلل في تطبيق هذه الأدوات يفضي إلى قراءات مشوّهة أو سطحية للتاريخ.

في السياق العام يعتمد الإعلام التقليدي، لا سيما في المؤسسات الصحفية، على مجموعة من الآليات التي تعزز من مصداقية المحتوى التاريخي (كالاستعانة بخبراء ومؤرخين مختصين، وإخضاع المواد المنشورة للمراجعة العلمية، إضافة إلى توثيق المصادر)ورغم احتمال تأثر هذا النوع من الإعلام أحيانًا بالسياسات التحريرية أو الأجندات المؤسسية، لكن يظل أقرب إلى الالتزام بالمنهج العلمي مقارنة بغيره، في المقابل، يعتمد صُنّاع المحتوى والمؤثرون في عرضهم للتاريخ على عناصر الجاذبية البصرية والسرد القصصي، مع ميل واضح إلى التبسيط المفرط بهدف جذب الجمهور، فضلًا عن أولوية السرعة في النشر على حساب التحقق من المعلومات. ويترتب على ذلك عدد من الإشكاليات، من أبرزها ضعف التوثيق، والانتقائية في اختيار الأحداث المثيرة أو الجدلية، تناول المعلومات غير الدقيقة وتداولها على نطاق واسع.

كما يتجلى غياب الاحترافية في الخلط بين الرأي والحقيقة، وإسقاط مفاهيم معاصرة على أحداث تاريخية، والاعتماد على مصادر ثانوية أو غير موثوقة. أما غياب النهج العلمي فيؤدي إلى تبسيط مخلّ بالوقائع التاريخية، وإلى انتشار سرديات ذات طابع شعبوي، تفتقر إلى العمق والتحليل، وينعكس هذا الواقع سلبًا على وعي الجمهور، حيث يسهم في انتشار معلومات غير صحيحة يصعب، وتكوين تصورات سطحية عن التاريخ، فضلًا عن تراجع الثقة في المعرفة الأكاديمية المتخصصة.

يتسم هذا النوع من المحتوى بتركيزه المفرط على الجوانب الإبداعية الشكلية، حيث يُبنى أساسًا على عناصر الجذب والإثارة بدلًا من الارتكاز على معايير الجودة والمضمون المعرفي. إذ يصبح الانجذاب مرتبطًا بدرجة كبيرة بحجم الجهد المبذول في خلق التشويق والإبهار، لا بعمق الفكرة أو قيمتها العلمية، ويؤدي هذا التوجه إلى تغليب البعد الترفيهي على حساب المحتوى الهادف، مما يفضي إلى إنتاج مواد سطحية تفتقر إلى القيمة المعرفية الحقيقية، وتسهم في تكريس الاستهلاك السريع للمحتوى بدلًا من تنمية التفكير النقدي أو إثراء المعرفة.

معن فوزي/ قائد كشاف ورحال – الاردن

الرحالة عرجان سلّط الضوء على ظاهرة مهمة جدآ أصبحت تقتحم الجميع بدون استئذان بل وتؤثر على المتلقي للمعلومة فيُصدق ويُعيد النشر فقط لأنه أعجبه المكان أو جودة كاميرا التصوير وغيرها من الأمور السطحية..

المعلومة وخصوصاً التراثية والأثرية تحتاج إلى تحقق قبل النشر حتى يبقى الإرث حقيقي وغير مُزيف.

عبدالرحيم العرجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى