أقلام بوست

د.براري يكتب : أين يتجه العالم؟ وماذا عن الأردن؟

عمان بوست – بقلم د. حسن البراري

ثلاثة مقالات لفتت انتباهي هذا الأسبوع تكشف بصورة واضحة كيف بدأت النخب الأمريكية نفسها تعيد التفكير في موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي، وبخاصة في ظل الحرب الحالية المرتبطة بإيران والشرق الأوسط. فما يجري اليوم يتجاوز الازمة المرتبطة بإيران أو بحرب عابرة في الشرق الأوسط وربما يعبر عن لحظة انتقال تاريخية يعاد فيها تشكيل ميزان القوة العالمي وتختبر فيها القوى الكبرى حدود نفوذها وقدرتها على إدارة عالم يتجه تدريجيًا نحو السيولة والتعددية وعدم اليقين.

في مقال نشر في الواشنطن بوست هذا اليوم يتحدث عن تقييم استخباراتي أمريكي يرى أن الصين تحقق مكاسب استراتيجية كبيرة بسبب انشغال واشنطن بالحرب. فالتقديرات الاستخباراتية الأمريكية ترى أن استمرار الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية الأمريكية ويستهلك الذخائر ويثير قلق الحلفاء الآسيويين مثل اليابان وتايوان بشأن قدرة واشنطن على إدارة أزمات متزامنة في آسيا والشرق الأوسط. في المقابل، تستثمر الصين هذا الانشغال الأمريكي لتقديم نفسها كقوة أكثر عقلانية وأكثر قدرة على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والتجاري العالمي.

 أما المقال الثاني للكاتب الأمريكي المعروف Kurt Campbell في مجلة الفورين أفيرز فيذهب إلى فكرة أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك أدوات الضغط القديمة نفسها على بكين. طبعا، ينظر إلى كيرت كامبل كأحد أبرز منظّري السياسة الأمريكية تجاه الصين، وفي مقالته هذه يذهب أبعد من ذلك حين يقول إن أدوات الضغط الأمريكية التقليدية فقدت جزءًا كبيرًا من فعاليتها. فالعقوبات والحرب التجارية والقيود التكنولوجية لم تدفع الصين إلى تغيير السلوك الصيني وإنما دفعت بكين إلى تسريع الاكتفاء الذاتي وتنويع أسواقها وتعزيز علاقاتها مع الجنوب العالمي. بمعنى آخر، فإن سياسة الاحتواء الأمريكية ساهمت بصورة غير مباشرة في زيادة استقلال الصين الاستراتيجي.

فيما يناقش المقال الثالث، الذي نشرته أيضا مجلة الفورين أفيرز كيف أن الصين باتت تستعد لعالم تسوده الفوضى والتعددية القطبية بدل النظام الليبرالي الذي قادته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية والذي بدأ يتفكك والصين ليست مهتمة بإنقاذه. هنا يطرح المقال فكرة ربما تكون الأكثر أهمية، فالصين لا تتحرك على أساس أن العالم سيعود إلى الاستقرار الليبرالي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة. فهذا الأمر ربما لا يخدم تطلعات الصين العالمية، فالصين بهذا المعنى تتحرك على أساس أن العالم يدخل مرحلة فوضى منظمة أو تعددية قطبية مضطربة. ولهذا تعمل بكين على بناء شبكات بديلة للتجارة والطاقة والتكنولوجيا وعلى تقليل اعتمادها على الغرب والاستعداد لعالم تسوده العقوبات والأزمات والصراعات الطويلة.

ما يلفت النظر أن هذه المقالات، رغم اختلاف زواياها، تلتقي عند فكرة مركزية مفادها أن النظام الدولي يتغير بسرعة وأن الصين تبدو أكثر استعدادًا للتعامل مع هذا التحول من الولايات المتحدة نفسها. فالحرب الحالية مع إيران تُقرأ في الصين كجزء من منافسة استراتيجية أوسع بين واشنطن وبكين على شكل النظام العالمي القادم. لكن في الوقت ذاته لا يمكن النظر للولايات المتحدة باستخفاف، فهي ما زالت الأقوى عالميا عسكريا واقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا.

ما يهمنا في هذه المنطقة هو الاستعداد لسيناريو فك الارتباط مع الولايات المتحدة. فمثلا، تبدو سياسات التحوط الاستراتيجي التي تتبعها بعض دول الخليج أكثر قابلية للفهم. فهذه الدول لم تعد ترى أن النظام الدولي أحادي القطبية بالكامل، ولم تعد مستعدة لوضع كل رهاناتها على قوة واحدة. لذلك نرى انفتاحًا اقتصاديًا واستراتيجيًا متزايدًا على الصين بالتوازي مع استمرار الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة.

للأسف الشديد، لا يوجد نقاش في الأردن حول فكرة التحوط الاستراتيجي، فالنخب غائبة تماما عن المشهد ولا تقدم فكرة واحدة في حين يعج الفضاء الأزرق نشطاء السوشيال ميديا الذي لا يركزون إلا على لغة المكاسرة الرقمية وبناء سرديات وهمية لمواساة أنفسهم عن واقع الحال المتردي، فتستمر حالة الإنكار المرضية التي عطبت الغالبية، وهذا ما يؤكد ما أقوله دائمًا بأننا نعيش في بيئة تخشى السؤال، فالجميع يحمل المسؤولية للجميع ولا أحد يطرح السؤال الجوهري لأن ذلك يحتاج إلى تمرد فكري لم نملك ترفه لغاية الآن بسبب العقلية الماضوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى