أقلام بوست

عثامنة يكتب : بين “صدمة” المسؤول وسردية “الدور والرسالة”

عمان بوست – بقلم م.صفوان عثامنة

في غضون أيام قليلة، انشغل الرأي العام الأردني بسجالين كاشفين؛ الأول أشعلته تصريحات رئيس الديوان الملكي الأسبق الدكتور جواد العناني حين استخدم مجازاً شعبوياً صادماً بوصفه من رسم خارطة الأردن بأنه “كان سكران”، متحدثاً عن مفهوم “دولة الفصل”، والثاني فجّرته وزارة البيئة حين تبنى معالي وزيرها عبارات التوبيخ الجماعي كـ “استحوا” معتبراً إياها “صدمة مقصودة” لتغيير السلوك. وبغض النظر عن النوايا، فإننا لسنا أمام مجرد زلات لسان واقلب الصفحة، بل أمام أزمة عميقة في فلسفة “الاتصال الحكومي والسياسي” تحتاج إلى تفكيك هادئ ورصين.
الرد الأبلغ، والأكثر وزناً ومنهجية على هذا الاختزال اللفظي للجغرافيا السياسية الأردنية، لا يأتي من باب العاطفة الجياشة، بل يستند بالضرورة إلى ذات “مدرسة رجال الدولة” الوازنين؛ وهنا يتصدر المشهد دولة عبد الرؤوف الروابدة، الذي يمثل بمكانته الوطنية الراسخة ومحاضراته الاستثنائية والممتدة خلال العامين الماضيين، “بوصلة الوعي وحارس السردية السيادية”. الروابدة، وبصبر المجرّب وعمق المؤرخ، نجح في تفكيك زيف الادعاءات حول نشأة الأردن، مقدماً مفهوم “التوأم التاريخي” في أبهى صوره حين وصف الجغرافيا السياسية للمنطقة بأن “الأم سوريا” أنجبت ثلاثة أبناء هم: الأردن، وفلسطين، ولبنان. الروابدة بمحاضراته تلك لم يكن يلقي تأريخاً لمجرد التنظير، بل كان ينسف فكرة أن الأردن “دولة وظيفية عازلة”، ليؤكد في الوجدان العام أنه “دولة دور ورسالة”، كيان عروبي ولد قومياً بالفطرة، ولم يكن يوماً طارئاً على جغرافيا أو تاريخ.
هذا التأصيل المرجعي الذي قاده الروابدة، هو ما تقاطع معه الكاتب سلطان عبد الكريم الخلايلة في مقاله، مذكرًا بـ “وثيقة أم قيس” ومرحلة الحكومات المحلية، ليؤكد أن هذه الخارطة صان ملامحها الأردنيون بالدم والوفاء لقيادتهم الهاشمية، ورسموا حولها خطاً من النار. وهو ذات الخط السيادي الحازم الذي تجلى في مقال معالي الدكتور كامل محادين، والذي جاء كبيان سياسي يحذر فيه من “المساس بأسوار الوطن”، مذكّرا بأن هذا الكيان بُني على أكتاف المخلصين من أبنائه، وموجهاً رسالته الصارمة: “استفيقوا.. فأنتم في الأردن”.
ولم يقف الخلل في تصريحات العناني عند حدود تبسيط الجغرافيا، بل تعداه إلى “خطأ التوقيت والمكان”، وهو ما فككه بذكاء معالي نضال البطاينة؛ إذ تساءل بحق: أيعقل أننا لا زلنا نتحدث عن ظروف نشأة الحدود بعد أكثر من قرن على التأسيس وفي غمرة احتفالاتنا بذكرى استقلالنا الثمانين؟ ولماذا تزدحم الشاشات غير الأردنية بطروحات تجتر الماضي بدلاً من الإضاءة على “معجزة صمود الدولة” التي ولدت في النار واستمرت بالإنجاز؟ مستذكراً التاريخ العروبي الأصيل والتضحيات الهاشمية الموثقة منذ رسالة الشريف حسين بن علي لولده الملك علي للتأكيد على أن الأردن كان وما زال “دولة وصل” وحجر الزاوية في التضامن العربي.
أما في السجال الثاني المتعلق بوزارة البيئة، فقد خرجت لغة الوزارة عن طور “الشراكة وسيادة القانون” لتتحول إلى “إدانة أخلاقية فوقية” (Moral Judgment)، فارتد الشارع مدافعاً عن كبريائه. وهنا، التقط وزير الداخلية الأسبق، معالي سمير الحباشنة، جوهر الخلل بوعي رجل الدولة الحريص على أصول المخاطبة؛ واصفاً الطريقة التي جرى بها مخاطبة الأردنيين بأنها “مُعيبة وبعيدة عن اللياقة والاحترام الواجب توافرهما في الخطاب الرسمي”، مؤكداً أن التواصل الحكومي يجب أن يقوم على لغة هادئة مسؤولة تعكس هيبة المؤسسات وثقة المواطنين بها، فإذا سقطت هيبة اللفظ سقطت معه غايات الخطاب!
المشكلة المشتركة في هذه المشاهد تكمن في غياب “الذكاء الإستراتيجي للغة”. في علم الاتصال الجماهيري، لا يُقاس المضمون بنيّة القائل، بل بالأثر النفسي والسياسي الذي يتركه في وجدان الناس (Communication Impact). رجل الدولة ليس مؤرخاً في صالون معزول، وليس واعظاً في طابور توبيخ؛ كلماته هي مرآة لشرعية الدولة وهيبتها. وحين تصبح النبرة مستفزّة لكبرياء الناس، أو يغيب عنها فقه التوقيت والمكان، فإن الخطاب يتحول إلى أداة لإنتاج الأزمات المجانية والتهيئة لاستقطاب جديد.
كان بإمكان الدكتور العناني أن يفكك خبث المخططات الاستعمارية دون اللجوء لمجازات تجرح الهوية، مستلهماً نهج الروابدة في تقديم الحجة السياسية الرزينة، وكان بإمكان وزير البيئة أن ينفذ القانون ويفرض الغرامات لغةً للحسم دون توبيخ!

يا رجالات الشأن العام، السردية الوطنية ليست حقل تجارب للمصطلحات الصادمة، وكبرياء الأردنيين ليس مادة للصدمات اللغوية. إن مصلحة الأردن، في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد، تتطلب خطاباً رسمياً وسياسياً رزيناً يستلهم “مدرسة الهواشم في اللين والحكمة”؛ المدرسة الأعرق بين سلالات الحكم في العالم، التي ما قادت الناس يوماً بالغلظة أو الجفاء، بل بالاحتواء وعفة اللسان وحصافة الموقف، لتُقدّم عبر العقود الأنموذج الأبهى لـ #الكلاءة_الهاشمية في حفظ البلاد وصون كرامة العباد.
إن خطاب الدولة يجب أن يستند إلى هذا الإرث الهاشمي، ليرسخ الوعي ويحرس الهيبة؛ فالمجتمعات الحرة لا تُقاد بالتأنيب أو التشكيك، وأهلنا في الأردن قالوها في دارج أمثالهم وعميق وعيهم: “الكلمة الطيبة بتطّلع الحية من جحرها”.. فكيف إذا كان الخطاب موجهاً لوطن العزّ ورجاله؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى