ثقافة بوستمنتديات بوست

نماذج من الحداثيين المسلمين


عمان بوست – دراسة نقدية للباحث الدكتور يزن المقابلة
لقد برز في العالم الإسلامي عدد من المفكرين الحداثيين، وعند البحث في أسمائهم ونقد نظرياتهم، فقد رأيت أن اتناول الأسماء العشرة التي ذكرها المؤلف (ويليام شيبرد) وآخرون، في كتابه المترجم للعربية والمتضمن مقاله ومجموعة من الفصول لمجموعة من المؤلفين بعنوان: (المفكرون المسلمون الحداثيون والقرآن: تأويل القرآن من منظور عشرة مفكرين مسلمين حداثيين).
وبعيداً عن التقسيم المنهجي لهؤلاء المفكرين وتياراتهم التي ينتمون لها سأتناول أسمائهم كما وردت في كتاب (شيبرد)، وآتي لذكر نظرياتهم ونقدها، إلا أنهم ومن باب العلم وحسب تصنيف الدارسين والمختصين في الحداثة الإسلامية، وحسب رأي محررة المقال المترجم عن الباحث (شيبرد)، يعتبرون من المنتمين لتيار الحداثة الكلاسيكية أو الحداثة الجديدة؛ بمعنى أنهم يسعون لإعادة صوغ التقاليد الإسلامية بدرجة تقل أو تزيد وفق مفاهيم الحداثة الغربية.
ويأتي ذكرهم مع نبذة بسيطة عن كل مفكر منهم كما ورد في مقالنماذج من الحداثيين المسلمين- دراسة نقدية
لقد برز في العالم الإسلامي عدد من المفكرين الحداثيين، وعند البحث في أسمائهم ونقد نظرياتهم، فقد رأيت أن اتناول الأسماء العشرة التي ذكرها المؤلف (ويليام شيبرد) وآخرون، في كتابه المترجم للعربية والمتضمن مقاله ومجموعة من الفصول لمجموعة من المؤلفين بعنوان: (المفكرون المسلمون الحداثيون والقرآن: تأويل القرآن من منظور عشرة مفكرين مسلمين حداثيين).
وبعيداً عن التقسيم المنهجي لهؤلاء المفكرين وتياراتهم التي ينتمون لها سأتناول أسمائهم كما وردت في كتاب (شيبرد)، وآتي لذكر نظرياتهم ونقدها، إلا أنهم ومن باب العلم وحسب تصنيف الدارسين والمختصين في الحداثة الإسلامية، وحسب رأي محررة المقال المترجم عن الباحث (شيبرد)، يعتبرون من المنتمين لتيار الحداثة الكلاسيكية أو الحداثة الجديدة؛ بمعنى أنهم يسعون لإعادة صوغ التقاليد الإسلامية بدرجة تقل أو تزيد وفق مفاهيم الحداثة الغربية.
ويأتي ذكرهم مع نبذة بسيطة عن كل مفكر منهم كما ورد في مقال (شيبرد)، ثم نقد أهم نظرياتهم على النحو التالي:
أولاً: العالم الباكستاني فضل الرحمن (1919–1988م)، ويُعتبر فضل الرحمن والذي قضى نحو عشرين عاماً من حياته في شيكاغو بنظر (شيبرد)، عميداً للحداثة المعاصرة، وأوضح تمثيل لها. حيث استعمل فضل الرحمن (المنهجية الصحيحة لتأويل القرآن)، فيقول فضل الرحمن: (فمع أن القرآن هو كلام الله الحرفي، إلا أنه كذلك عملية تجري في عقل الرسول وتنعكس فيه). وفي سياق آخر يقول: (القرآن هو بالتمام كلام الله، وهو بالتمام كلام محمد) ، ويبتدع فضل الرحمن نظرية جديدة أسماها: (نظرية الحركة المزدوجة)، ويطالب بتدارس القرءان الكريم في ضوء سياق يتم من خلاله إستنباط المبادئ الأخلاقية العامة من نصوصه، ويكون التشريع لاحقاً مبنياً على تلك المبادئ وفقاً لظروف زمانها. كما يستعمل فضل الرحمن مصطلح تجديدي بالمطلق يسمى (السنة الحية) ، وفي هذا الطرح لفضل الرحمن غاية هجينة يراد من خلالها تمييع النص القرءاني وتكييفه وفق الرغبات، لأن القول بأن القرءان هو كلام الله وربطه بالمطلق أيضاً بأنه كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقط لأنه يجري بعقل وسلوك النبي إثم كبير، لأن الرسول نفسه لم يقل أن القرءان هو كلامه، ولكون القرءان جرى على لسان النبي وانعكس على سلوكه فهذا لا يعني بالضرورة أنه كلامه فليس كل من آمن بالله على خطى الرسول يستطيع القول بأن كلام الله هو كلامه. وأما مطالبة فضل الرحمن بأن يتم إستنباط المبادئ والاخلاق العامة من القرءان الكريم فهي نظرة تحجيم للنص الديني فالنص الديني لم يأتي فقط ليحدد المبادئ والأخلاق العامة وحدها، وهذا ما صاغه في فكرة حديثه تسمى النظرية المزدوجة، واما القول بأن السنة النبوية سنة حية وأنه فهذا لا خلاف فيه لكن ربطه بالقول أنه يجب على النص الديني ان يتكيف وفق ظروف الزمان والمكان فهذا ما يرومه كل من يفهم الحداثه وفق هواه الشخصي وتفسير خاطئ لمرونة النص الديني. كما أن فضل الرحمن ذهب لأنسنة النص الديني وإخضاعه للهوى الفردي، وهذا ما نقده به تلاميذه انفسهم. (وهذا ما سآتي على ذكره لاحقاً في هذا التقرير عند الحديث عن تلميذته أمينة ودود).
ثانياً: نورتشوليش مجيد (1939–2005م)، وهو معروف بكونه قائد حركة الحداثة الجديدة في إندونيسيا، وهو صاحب شعار يلخص دوافعه تحت عنوان (نعم للإسلام، لا للإسلام الحزبي). وقد درس الدكتوراه في شيكاغو بإشراف فضل الرحمن السابق ذكره، ومنهجه نهج استاذه في تأويل وتطبيق القرآن. فيرى مجيد أنه لا بد أن يفسر القرآن بحسب السياق، وأن تطبق مبادئه بما يلائم المواقف المتغيرة لاحقاً، وهو ما يسميه بعملية (إعادة الإدراك) ، ويرى مجيد أن القرآن قد نزل علينا بلغة بشرية، ومن ثم فيمكن بل ويجب أن يُؤول بالمنطق العقلاني. ويقدم (شيبرد) في مقاله في فصله الثالث نماذج من فلسفة مجيد وأمثلة على تفسيره. وهنا أقول أنه ومع صلاحية النص الديني وضرورة تفسيره في كل بيئة بمعزل عن غيرها، وأن ما يتم تناوله في مكان من تفاصيل (وأعني هنا التفاصيل لا العقائد العريضة)، قد لا يصلح في غيرها ولنا في فتوى الشعراوي بزواج الإناث في مصر بسن تختلف عنها في العراق لإختلاف البيئات نموذج حي، إلا أنه لا يمكن لأي كان التلاعب في النصوص العريضة للعقيدة تحت مبرر إختلاف البيئات، وأن فكرة تفسير القرءان التي نادى فيها مجيد وفق سياقات عقلانية بالكامل ومنفصلة خاضعة للزمان والمكان والظروف وغير متشابهة مع غيرها في ظروف وبيئات ومواقف أخرى يفتح الباب أمام تمييع النص الديني واخضاعه للفلسفة الفردية والآراء الشخصية، وأن مسمى إعادة الإدارك الذي إبتدعه مجيد ما هو بحقيقته إلا صك يبيح تفسير القرءان حسب الاهواء الفردية.
ثالثا: أمينة ودود (م 1952)، وهي نسوية أمريكية مشهورة من أصول إفريقية، وتعد المرأة الوحيدة في هذا المقال، وكذلك الغربية الوحيدة، والوحيدة التي تحولت لديانة الإسلام. ويعتبر منهجها في تفسير القرآن يدين لنتاج فضل الرحمن، (وهي بنفسها تصرح بهذا في كتابها (القرآن والمرأة) ، لكنها لا تؤنسن القرآن للدرجة التي يذهب لها فضل الرحمن ، وهذا ما اعتبره حجة على فضل الرحمن الذي لم يدعو فقط لأنسنة القرءان، بل وإخضاعه بالكامل للعقل والهوى الفردي، كما وتشدد على التفرقة بين القرآن وتأويله ، وفي هذه أؤيدها لأن الفرد ليس حجة على كلام الله، في حين ان كلام الله حجة على الجميع، كما أشتهرت بنقدها للتفاسير التقليدية، واهتمامها بإعادة قراءة النص القرآني من منظور المرأة، وفي هذا الطرح ميول نسوية حديثة، وعند الخوض بفكر النسوية فإن دعاة هذا الفكر من النساء ومن يؤيدهم من الرجال يقومون على فكرة مبالغة بمساواة الرجال والنساء تصل الى حد المساواة في الواجبات والحقوق والأدوار وهي فكرة تتخطى التكوين الجسدي والنفسي والفسيولوجي لكلا الجنسين التي يجب مراعاتها، وأن أظهر ما يعبر عن النسوية عند أمينة هذه هو قيامها بالإمامة في صلاة جمعة مختلطة بين الرجال والنساء في العام 2005م. الشكل (1) .
(شيبرد)، ثم نقد أهم نظرياتهم على النحو التالي:
أولاً: العالم الباكستاني فضل الرحمن (1919–1988م)، ويُعتبر فضل الرحمن والذي قضى نحو عشرين عاماً من حياته في شيكاغو بنظر (شيبرد)، عميداً للحداثة المعاصرة، وأوضح تمثيل لها. حيث استعمل فضل الرحمن (المنهجية الصحيحة لتأويل القرآن)، فيقول فضل الرحمن: (فمع أن القرآن هو كلام الله الحرفي، إلا أنه كذلك عملية تجري في عقل الرسول وتنعكس فيه). وفي سياق آخر يقول: (القرآن هو بالتمام كلام الله، وهو بالتمام كلام محمد) ، ويبتدع فضل الرحمن نظرية جديدة أسماها: (نظرية الحركة المزدوجة)، ويطالب بتدارس القرءان الكريم في ضوء سياق يتم من خلاله إستنباط المبادئ الأخلاقية العامة من نصوصه، ويكون التشريع لاحقاً مبنياً على تلك المبادئ وفقاً لظروف زمانها. كما يستعمل فضل الرحمن مصطلح تجديدي بالمطلق يسمى (السنة الحية) ، وفي هذا الطرح لفضل الرحمن غاية هجينة يراد من خلالها تمييع النص القرءاني وتكييفه وفق الرغبات، لأن القول بأن القرءان هو كلام الله وربطه بالمطلق أيضاً بأنه كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقط لأنه يجري بعقل وسلوك النبي إثم كبير، لأن الرسول نفسه لم يقل أن القرءان هو كلامه، ولكون القرءان جرى على لسان النبي وانعكس على سلوكه فهذا لا يعني بالضرورة أنه كلامه فليس كل من آمن بالله على خطى الرسول يستطيع القول بأن كلام الله هو كلامه. وأما مطالبة فضل الرحمن بأن يتم إستنباط المبادئ والاخلاق العامة من القرءان الكريم فهي نظرة تحجيم للنص الديني فالنص الديني لم يأتي فقط ليحدد المبادئ والأخلاق العامة وحدها، وهذا ما صاغه في فكرة حديثه تسمى النظرية المزدوجة، واما القول بأن السنة النبوية سنة حية وأنه فهذا لا خلاف فيه لكن ربطه بالقول أنه يجب على النص الديني ان يتكيف وفق ظروف الزمان والمكان فهذا ما يرومه كل من يفهم الحداثه وفق هواه الشخصي وتفسير خاطئ لمرونة النص الديني. كما أن فضل الرحمن ذهب لأنسنة النص الديني وإخضاعه للهوى الفردي، وهذا ما نقده به تلاميذه انفسهم. (وهذا ما سآتي على ذكره لاحقاً في هذا التقرير عند الحديث عن تلميذته أمينة ودود).
ثانياً: نورتشوليش مجيد (1939–2005م)، وهو معروف بكونه قائد حركة الحداثة الجديدة في إندونيسيا، وهو صاحب شعار يلخص دوافعه تحت عنوان (نعم للإسلام، لا للإسلام الحزبي). وقد درس الدكتوراه في شيكاغو بإشراف فضل الرحمن السابق ذكره، ومنهجه نهج استاذه في تأويل وتطبيق القرآن. فيرى مجيد أنه لا بد أن يفسر القرآن بحسب السياق، وأن تطبق مبادئه بما يلائم المواقف المتغيرة لاحقاً، وهو ما يسميه بعملية (إعادة الإدراك) ، ويرى مجيد أن القرآن قد نزل علينا بلغة بشرية، ومن ثم فيمكن بل ويجب أن يُؤول بالمنطق العقلاني. ويقدم (شيبرد) في مقاله في فصله الثالث نماذج من فلسفة مجيد وأمثلة على تفسيره. وهنا أقول أنه ومع صلاحية النص الديني وضرورة تفسيره في كل بيئة بمعزل عن غيرها، وأن ما يتم تناوله في مكان من تفاصيل (وأعني هنا التفاصيل لا العقائد العريضة)، قد لا يصلح في غيرها ولنا في فتوى الشعراوي بزواج الإناث في مصر بسن تختلف عنها في العراق لإختلاف البيئات نموذج حي، إلا أنه لا يمكن لأي كان التلاعب في النصوص العريضة للعقيدة تحت مبرر إختلاف البيئات، وأن فكرة تفسير القرءان التي نادى فيها مجيد وفق سياقات عقلانية بالكامل ومنفصلة خاضعة للزمان والمكان والظروف وغير متشابهة مع غيرها في ظروف وبيئات ومواقف أخرى يفتح الباب أمام تمييع النص الديني واخضاعه للفلسفة الفردية والآراء الشخصية، وأن مسمى إعادة الإدارك الذي إبتدعه مجيد ما هو بحقيقته إلا صك يبيح تفسير القرءان حسب الاهواء الفردية.
ثالثا: أمينة ودود (م 1952)، وهي نسوية أمريكية مشهورة من أصول إفريقية، وتعد المرأة الوحيدة في هذا المقال، وكذلك الغربية الوحيدة، والوحيدة التي تحولت لديانة الإسلام. ويعتبر منهجها في تفسير القرآن يدين لنتاج فضل الرحمن، (وهي بنفسها تصرح بهذا في كتابها (القرآن والمرأة) ، لكنها لا تؤنسن القرآن للدرجة التي يذهب لها فضل الرحمن ، وهذا ما اعتبره حجة على فضل الرحمن الذي لم يدعو فقط لأنسنة القرءان، بل وإخضاعه بالكامل للعقل والهوى الفردي، كما وتشدد على التفرقة بين القرآن وتأويله ، وفي هذه أؤيدها لأن الفرد ليس حجة على كلام الله، في حين ان كلام الله حجة على الجميع، كما أشتهرت بنقدها للتفاسير التقليدية، واهتمامها بإعادة قراءة النص القرآني من منظور المرأة، وفي هذا الطرح ميول نسوية حديثة، وعند الخوض بفكر النسوية فإن دعاة هذا الفكر من النساء ومن يؤيدهم من الرجال يقومون على فكرة مبالغة بمساواة الرجال والنساء تصل الى حد المساواة في الواجبات والحقوق والأدوار وهي فكرة تتخطى التكوين الجسدي والنفسي والفسيولوجي لكلا الجنسين التي يجب مراعاتها، وأن أظهر ما يعبر عن النسوية عند أمينة هذه هو قيامها بالإمامة في صلاة جمعة مختلطة بين الرجال والنساء في العام 2005م. الشكل (1) .

رابعاً: محمد أركون (1928–2010م)، عالم جزائري من أصول بربرية، وهو اسم معروف لدى الإسلاميين كما يصفه (شيبرد) ، إلا أن (شيبرد)، غير متأكد من مدى تأثيره الفعلي على العالم الناطق بالإنجليزية؛ فهو حسب وصفه لم يترجم له بالإنجليزية سوى واحد من كتبه فحسب، ويقول: أنه لا يسهل مقارنته ببقية المفكرين في هذا المصنف؛ إذ تتسع سمعته فوق ما يصعب فهمه، إلا أن مفكرة تدعى (غونتر)، يستشهد (شيبرد) في مقاله برأيها وتعليقها على أركون فيقول: أنها قد بذلت جهداً في سبيل تنظيم أفكار أركون، وعرضها عرضاً منهجياً باستعمال العديد من الجداول والرسوم البيانية، وهو ما لم يستعمله أركون أبداً كما تقول الكاتبة؛ وتعرض الكاتبة لفكر أركون عن (الواقعة القرآنية) والخطاب النبوي، ثم تذهب للحديث عن ما أسمته الحقيقة (وأعتقد أنها تعني العقيدة الإسلامية حسب فهمي لطرحها)، ثم تتطرق للحديث عن المذاهب والمؤسسات الدينية من جهة نظرة، وتتغنى بدوره في (إماطة اللثام عن اللامفكر فيه)، حسب زعمها، وعن الدور المفكر فيه ، وتتحدث عن طرجه الخاص (بالخيال الإسلامي)، ومفهومه لـ (المستحيل) . وعند الحديث عن فكر أركون وخصوصاً مؤلفاته العلمانية والدين، ونقد العقل الإسلامي، ونزعة الأنسنة في الفكر العربي، فأني أراه يحاول إخراج دراسة الإسلام من إطار الفقه والعقيدة التقليدي إلى فضاءات التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، ويدعو الى دراسة الإسلام في إطار غيره من العلوم أو بوصفه ظاهرة تاريخية ثقافية ويخرجه من كونه منظومة عقائدية، مع أنه بذات الوقت ينتقد النظرة السطحية للغرب عن الإسلام وحصرهم إياه في بوتقة ضيقة من التفكير المحدود المستوحي من تعاليم العصور الوسطى وعصر الصراعات والحروب الصليبية وكأن الغرب لا يملك الوقت لتغيير نظرته للإسلام أو لا ينوي ذلك أصلاً، وبالعودة لنقد فكر أركون، فانه كثيراً ما يسير بالنص الديني لمصطلحات حداثية جديدة مثل المسكوت عنه واللامفكر فيه وكأنه يغازل العقل الأوروبي المتعطش للتجديد. بمصطلحات غامضة فضفاضة يتهم من خلالها العقل العربي بالدوغمائية دون إقتراح الحلول أو تحديد الوصف الدقيق هارباً في فضاء من النقد لأجل النقد مستفيداً من إبهام مصطلحاته، كذلك لأن اركون يتحدث عن العقل العربي بصفة المفرد.. علماً أنه لا يوجد نموذج واحد للعقل العربي ولا تحتكر جماعة أو تيار بعينه الفكر العربي فهناك عقل عربي أشعري وصوفي وماتردي وسني ومعتزل وغيره. ومن اهم النقد الموجه لأركون أنه يربط التجربة المسيحية مع الكنيسة على التاريخ العربي مع إني أقر بالكثير من التشابه بينهما رغم إن الإسلام لم يكن فيه مركزية بابوية او تسلط كنسي أو عصور ظلام كما عانت أوروبا مسبقاً، وتغلب على طروحاته فكرة الإنهزام العربي امام تمجيد الحداثة الغربية.

خامساً: نصر حامد أبو زيد، يذكر مقال (شيبرد ورفاقه)، أنه كان مركز جدل عام؛ حيث حاول الإسلاميون فسخ زواجه باعتباره كافراً . فهو يشدد على أهمية التأويل، ويحاجج أنه في اللحظة التي قام الرسول – صلى الله عليه وسلم – بتبليغ القرآن، تحول عن كونه نصاً إلهياً إلى كونه تأويلاً بشرياً يعكس ثقافته وعصره. وبالتالي فالتأويلات اللاحقة تستوعب أكثر فأكثر العلاقة الجدلية بالنص، ولا يمكن لتفسير واحد أن يكون هو النهائي. ويبدو لي أن فهمه للوحي يسعى لأنسنته أكثر حتى من (فضل الرحمن) ، وهنا أقول: أن النص القرءاني مقدساً ويبقى مقدساً بغض النظر عن لغته وعن موعد وطريقة نزوله، فقدسية النص وإعجازه جاءت من قوة كلامه وبلاغته وعجز البشر عن الإتيان بمثله لا من مكان وزمان وطريقة نزوله. وإني أرى صاحب هذا المنطق إنما يريد تحرير القرءان من قدسيته ليتواءم مع ميوله وقصور عقله عن الإلتزام وفهم تعاليم النص. وإن هذا فكر خطير تتجلى خطورته بأنسنة القرءان والذهاب فيه لمنحى يعتبره كتاباً بشرياً بالتالي قبوله للنقد والإضافة والتعديل. وإن القول بصلاحية القرءان لعصر دون آخر تفتح المجال أمام تحويل القرءان لكتاب علمي خاضع لمعايير البحث العلمي والمنطق الإنساني وتمهيد أخطر لزجه بين رفوف الكتب البشرية.
سادساً: محمد مجتهد شبستري (م. 1936)، هو أستاذ العلوم الإلهية في جامعة طهران، وقضى وقتاً في ألمانيا. ووفقاً لكتاب (شيبرد) فإن شبستري يدمج بين المنهجين التأويلي (الهرمينوطيقي) والوجودي في فكره. ويزعم أن فهم معنى النص ليس سوى فعل للمفسر، وافتراضات المفسر وتفسيراته تستمد من مصادر إنسانية؛ بالتالي فإن معرفة الله لا تتحقق إلا من خلال منظومة المعرفة الإنسانية، ويتبنى فكرة وجود حوار إفتراضي بين المفسر البشري والإلهي. ويقدم المعرفة الإنسانية على كل المعارف، لذا فإنه من جهة نظرة لا بد أن تتم إعادة النظر في الرؤى والتفسيرات، ويتحقق ذلك من خلال إعادة دراسة النص وتوافقه مع المبادئ العامة النص، وينادي بتطبيق ذلك على المناحي السياسية أيضاً. ويقارنه كاتب الفصل بمن سبقه من المفكرين الإيرانيين، مثل: شريعتي، والخميني، اللذين يوصفان ب(الذاتية الوسطية) ، وعند دراسة هذا الطرح فإنه غير مستغرب لكون المفكر الإيراني ينتهج نهج ما يسمى الإمام الخميني الولي الفقيه ونائب سيد الزمان بالحق كما يزعمون فهذه الولاية تقوم على تأليه المرشد الأعلى وإمتلاكه ما لا يملكه غيره من القدسية تماماً كما كانت أوروبا في عصور الظلام، وإن الطغمة المؤمنة بأن المفسر وحده من يحق له تفسير القرءان ويحتكر العلم والمعرفة بشخصه، ويتشارك بذلك مع الوحي الإلهي هي أساس فكرة ولاية الفقية الإيرانية التي حصرت العلم والمعرفة بشخص الولي دون غيره. وما هذا الفكر إلا هرطقة تهدف لتعزيز تلك الولاية وصبغها بألوهية بشرية غير منطقية. وفتحت له المجال للخوض كما يشاء في النص الديني ومنحته صلاحيات واسعة.
سابعاً: محمد الطالبي (م. 1921)، هو مفكر تونسي معروف خاصة بسبب اهتمامه بالتعددية والحوار. وهو يسعى إلى (قراءات مقاصدية للقرآن)، ويتساءل عن الموقف الاجتماعي من مهام فهم القرآن، والتغيرات التي تطرأ إليه، والوجهة التي اتجهها المجتمع بسبب تلك التغيرات . هذه الفكرة لدى الطالبي تقول بوجوب تسليم رقابنا للقوى الليبرالية الغربية التي يجد الطالبي أنها النموذج المقصود بالقرءان الكريم حيث يرى أن تلك القوى تطورت حسب ما يقتضيه المجتمع وسخرت كامل طاقتها لخدمته بالتالي هي وحدها من فهمت المعنى الحقيقي للرسالة السماوية.
ثامناً: حسين آتاي (م. 1930)، وهو أستاذ متقاعد من كلية اللاهوت في جامعة أنقرة، ويسعى لقراءة القرآن قراءة مباشرة وغير مشكلة، ولا يسمح بنهج تقليدي في تأويله، بل يرفض تفسير السياق التاريخي أيضاً عند حدود التقليد، ويفضل أن يؤول النص الشرعي مستعملاً القرآن نفسه ومؤوِّلاً له بما يوافق الموقف. ويساوي تأويل النص الشرعي بسلطة القرآن على الأقل إن لم تكن أعلى منه. وتميل تأويلاته للسماحة والليبرالية ، ولا أتردد في القول بأنه يؤنسن القرآن، لا بل يتعامل مع القرءان الكريم بمرونة قد لا نتعامل فيها مع كتاب آخر، بل يبدو أنه منسجم مع العلمانية التركية، التي لا تسعى عادة لتأويلات عميقة للنصوص الإسلامية، بل تسخف تلك التأويلات وتترك فيها الكلمة الفصل للحظة التي تحكمها. وإن العلمانية التركية بأساسها فكرة ولدت منسجمة مع العداء للعرب إبان إنهيار الإمبراطورية العثمانية وجاءت كفكرة لا أتحرج من القول انها ردة جديدة على الدين كعقاب للعرب، فنحن العرب قدّر لنا أن نتشرب حقد الفرس بإنهيار إمبراطوريتهم على أيادينا حيث أنهم لم ينسوا ملك الأكاسرة كما تشربنا فكرة العلمانية بعد سقوط الإمبراطورية التركية التي إستبدت بمقدراتنا على نحو يقارب الألف عام ونيف. وإن أظهر مظهر يعبر عن كلاهما الصفوية والطولونية التي عانت منها منطقتنا العربية وما رافقها من تحالف مع الصهيونية.

تاسعاً: محمد شحرور (م. 1938)، هو مهندس من حيث المهنة، لكن كتاباته حول الإسلام معروفة ومثيرة للجدل. وينظر له العلماء المتحفّظون من الحداثيين والتقليديين على السواء؛ إذ إنه نوع من نطق الحق والباطل في آن كما يصفه الفصل العاشر في كتاب (شيبرد)، كما يصف منهجيته بأنها إعادة تأمل مركزة وأصالة ومعاصرة في النص القرآني. فهو يؤمن بتفوق النص القراني لكنه يفسح المجال لرأي المفسر ، ويحاول شحرور إعادة التفسير بمفاهيم جديدة، فمثلاً يعرف شحرور النبوة على أنها الجانب الخالد من الوحي، أما الرسالة فهي الجانب المؤقت والنسبي. ومن ثم يتجاوز هذا التأويل إلى الاجتماع والاقتصاد والطب، لتلائم معرفتنا العلمية المتنامية، والتفسير والاجتهاد. وكأنه يسعى لمواءمة الأحكام القرآنية المؤقتة الزمنية لقوانيننا الصالحة أبداً.
عاشراً: الصادق النيهوم (1937–1994م)، كان أديباً ليبياً ذا كتابات جدلية، وعلاقة سياسية مهمة بنظام القذافي. وكان مفسراً علمانياً مثل شحرور. ولم يكن تفسير القرآن من اهتماماته الكبرى، والفصل المعني به يعرض بالأساس لرؤاه الاجتماعية؛ فوفقاً للنيهوم، كان الإسلام في بواكيره نوعاً من الديمقراطية المباشرة لجماعة واحدة قد يسهل جمعها في مكان واحد متأثراً بفكرة بدايات الديمقراطيو المباشرة في بلاد اليونان، وبنظره فإن الجهاد يعني واجب الدفاع عن المقهورين، وهذا كله صحيح نسبياً، حتى جاء الأمويون فقضوا على ذلك، واستغلوا الفقه والحديث لتزوير الحقيقة، التي لم يتمكنوا من طمسها بالكامل. وإني أشاركه الرأي في جزئية التعدي على الفقه والتفسير والحديث لأغراض سياسية، لكنه ولتأييد نظريته يستخرج النيهوم استنباطات من القرآن وكأن النص القرآني كتاب فتاوى، ويعد هذا الكاتب أقل الشخصيات المذكورة أثراً بسبب عمله السياسي حسب إعتقادي؛ لكن ذكره في المجتمع الأوروبي يسترعي الإنتباه.
وفي النهاية، نجد ان الغرب يهتم بهؤلاء الحداثيين على الرغم من غمرتهم في المنطقة العربية لأنهم يقدمون بعداً إنسانيا للقرءان يفوق القدسية الربانية، ويفرقون بين الوحي والتفسير، ويقدمون تفسيرات متباينة حسب المكان والزمان، ويقترحون نماذج متعددة لصوابية التفاسير، وحصرها قطعاً بيد المفسر وحده. وهذا ما يمنح النص أبعاداً جدلية ونظرة ضبابية ويميع جديته بالتالي يهدم فكرة القدسية برمتها على الرغم من كونهم جميعاً يؤمنون بألوهية الوحي.
ومما لا شك فيه أن العقل العربي لا يتقبل هذا النوع من الطرح بسهولة، ويضع حداً لمثل هؤلاء المفكرين الذين قدموا انفسهم على انهم واجهة الفكر الإسلامي وأعتاشوا على هذا الظن دهراً، علماً انهم غير ظاهرين في مجتمعاتهم العربية. وغير مسوقين ولا أعتقد أن هناك من يقدمهم ويدفع بركبهم إلا بعض التيارات الغربية التي عجزت وتعاجزت عن قبول الثقافة العربية الإسلامية.

قائمة المصادر والمراجع
أركون، محمد، الفكر الإسلامي (قراءة علمية)، ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت 1987.
غونتر، أورزولا، محمد أركون (ناقد معاصر للعقل الإسلامي)، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت 2004.
ودود، أمينة، القرآن والمرأة (إعادة قراءة النص المقدس من منظور نسائي)،÷ ترجمة: ناهد خياط، دار الساقي، بيبروت 2006.
ودود، أمينة، القرآن والمرأة، كوالالمبور، منشورات فجر، 1992.
شيبرد، ويليام، وآخرون. المفكرون المسلمون الحداثيون والقرآن (تأويل القرآن من منظور عشرة مفكرين مسلمين حداثيين)، تحرير: سهى تاجي فاروقي، ترجمة: هدى عبد الرحمن النمر، دار الآن ناشرون وموزعون، عمان 2023.
العربية نت، عنوان الخبر: العربية نت، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2008م، تاريخ الاطلاع 2 حزيران/يونيو 2026. على الرابط التالي:

https://www.alarabiya.net/articles/2008/10/18/58439

Shepard, William E. Introducing Islam. London and New York: Routledge, 2009.
Shepard, William E. (The Teaching and Study of Islam in Western Universities) In various academic publications on Islamic Studies and Religious Studies.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى