عثامنه يكتب : شو بدو يخلصنا من العوضي… منسفنا وتشعاتشيلنا باتت أسلحة دمار شامل

عمان بوست – بقلم م. صفوان عثامنه
لعلّ أخطر ما كشفته ظاهرة ما يُسمى #نظامالطيبات والأمواج الرقمية الشبيهة التي تجتاح وعينا بين الحين والآخر، ليس عجز المنظومة الطبية عن مجاراة لغة الشارع، بل تلك السقطة المعرفية المدوية التي وقعت فيها نخبنا الإعلامية والثقافية وبعض صفحات السوشال ميديا واسعة الانتشار! من المحزن حقاً أن نرى صحفيين وأدباء ممن قضوا عمرهم في محراب العلوم الإنسانية، يتعاملون مع علوم الطب البشري والتغذية وعلم الأمراض بذات الأدوات التي يقيسون بها نجاح رواية، أو مدى رضا الجمهور عن خدمة تقدمها مؤسسة، أو نتائج استبانة لعينة عشوائية في مجتمع مستهدف للدراسة! إنهم يخلطون باستخفاف لا يليق بالوعي، بين مرونة #العلومالإنسانية التي تحتمل التعددية ووجهات النظر، وبين صرامة #العلومالصلبة كالطب والهندسة والزراعة والصيدلة. ولعل هؤلاء غفلوا عن البديهية اللغوية والمعرفية التي جعلت جامعاتنا تطلق مصطلح #الطبالبشري لا #الطب_الإنساني ! فالطب علم بشري بيولوجي محكوم بالخلايا، والجينات، والمعادلات الكيميائية وتشريح الجسد، وهي منظومة صارمة لا تملك آذاناً لتسمع تصفيق الجماهير في الفضاء الالكتروني، ولا تخضع لـ “تريند” تقوده خوارزميات صماء، بخلاف الآداب والفنون التي صُنّفت كعلوم إنسانية لأنها تدرس سلوك الإنسان ومقاييس رضاه وعواطفه! العلوم الصلبة لا تعترف بصناديق الاقتراع ولا بالديمقراطية الرقمية؛ إنها نتاج مختبرات، ومراجعات أقران، وأبحاث مضنية تمتد لعقود من السنين قبل أن تجرؤ على صياغة نظرية واحدة. ولتقريب المشهد وتفكيك هذا الوهم المعرفي، علينا أن نسأل هؤلاء المصفقين من النخب: لو أجمع ركاب طائرة، وبنسبة تصويت بلغت مئة بالمئة، على أن قائد الطائرة يمكنه الهبوط بها في عمق البحر دون وقود، هل تنصاع قوانين الفيزياء والجاذبية والديناميكا الهوائية لرغبة الركاب العاطفية؟ هذا بالضبط ما يفعله الإعلامي أو المثقف حين يستفتي الجمهور على كفاءة بروتوكول علاجي أو نظام غذائي يحرم الجسد من أساسيات بقائه، ويسأل عن رأي الناس ومن استفاد من الحمية!. إننا نقع هنا في فخ خطير، وهو الخلط بين مشروعية الأسئلة وجهل الإجابات؛ فالجمهور يملك كل الحق في التوجس من جشع المنظومة الرأسمالية الغذائية، ومن سرعة نمو الدواجن، ومن غياب الشفافية الرقابية، وهي أسئلة ذكية ومشروعة جداً تلامس أمننا الصحي والغذائي. لكن الكارثة تكمن في ظن البعض أن “مشروعية السؤال” تمنح صك البراءة لعشوائية الإجابة التي يبيعها دعاة الوهم بكاريزما مغلّفة بالقداسة والنصوص الدينية، وارتداء لباس العلم المزيف للتدليس على البسطاء!. واليوم، يتساءل الأردنيون بتهكم مرير: “شو بدو يخلصنا من العوضي؟” ونظامُه يقتحم وجدانهم الغذائي ليصنّف أطباقهم التاريخية وكأنها أسلحة دمار شامل؛ فـ “المنسف” الأردني، بأرزه ولحمه وشراب لبنه #المليحية المعتمد على #الجميد، أصبح في المنهج الجديد سمّاً ناقعاً، والجميد واللبن من المحرمات! بل إن #التشعاتشيل ــ ذلك الطبق الفلاحي العبقري الممتد عبر الأجيال بمكوناته البسيطة والسيادية من بيض، وطحين، وخضار ورقية، ولبن ــ باتت فجأة خطراً داهماً يهدد البشرية. إن سيكولوجية “الوهم الإيجابي المؤقت” التي يشعر بها البعض في البداية لا تصبح دليلاً علمياً، كما أن قوانين الجسد الحيوية لا تتبدل لأن مجتمعاً بأكمله قرر أن يصدق خرافة مريحة هروباً من واقع مكلف، ولأن أجدادنا الذين عاشوا بعمر المئة عام بصحة كالحديد، بنوا أجسادهم من هذا الجميد والسمن البلقاوي والكركي ومما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها قبل أن يُخلق “اللايك” و”التريند”. الترويج لهذه الهرطقات التي تدفع مريضاً لترك دواء ضغط أو سكري ليس تنوعاً في الرأي ولا ترفاً فكرياً يُناقش بالاستبانات واستفتاءات على صفحات الفيسبوك، بل هو تضليل ممنهج وتهديد مباشر للأمن الصحي المجتمعي، وهي جريمة مكتملة الأركان تستحق العقاب والمساءلة القانونية لحماية الوعي العام من الاختطاف الرقمي.
يظل الجهل جهلاً ولو صفق له الملايين، وتظل الحقيقة العلمية حقيقة ولو لم يدركها أحد، وعلى نخبنا أن تدرك أولاً الفارق بين قياس رضا العملاء وبين صرامة المشرط والمختبر قبل أن تقود العوام إلى المجهول، وتنزع عن موائدنا بركة ما ورثناه وعياً وصحةً كابراً عن كابر.
كلوا واشربوا ولا تسرفوا وكفى بها من حمية!


