أقلام بوست

العورتاني يكتب “حكومة جعفر حسان … بين القرار والإنجاز”

عمان بوست – بقلم رائد العورتاني

منذ تولي حكومة دولة رئيس الوزراء جعفر حسان مسؤولياتها، بدا واضحاً أنها اختارت أن تبدأ من الملفات الأكثر التصاقاً بحياة الناس، وأن تترجم خطابها إلى إجراءات ملموسة لا إلى وعود مؤجلة، وفي مرحلة اقتصادية واجتماعية دقيقة، جاءت قراراتها الأولى لتؤكد أن معيار النجاح الحقيقي هو الأثر المباشر في حياة المواطن، لا كثرة التصريحات ولا اتساع العناوين، أبرز ما يحسب للحكومة أنها تحركت بسرعة في اتجاه تخفيف الأعباء عن المواطنين، من خلال مراجعة بعض الرسوم والغرامات، وتحسين بعض الرواتب، واتخاذ خطوات تعكس إدراكاً لحجم الضغوط المعيشية التي تراكمت خلال السنوات الماضية، وهذه القرارات وإن بدت في ظاهرها إجرائية، إلا أنها تحمل دلالة سياسية مهمة، لأنها تشير إلى أن الحكومة تنظر إلى المواطن بوصفه شريكاً في الإصلاح لا مجرد متلقٍ للقرارات.

في القطاع الصحي، برز قرار توسيع مظلة التأمين الصحي لمرضى السرطان بوصفه واحداً من أهم القرارات ذات البعد الإنساني والاجتماعي، فهذا القرار لا يخفف فقط من الأعباء المالية عن آلاف الأسر، بل يعكس أيضاً توجهاً واضحاً نحو تعزيز العدالة الصحية، وترسيخ مبدأ أن العلاج حق أساسي يجب أن تصونه الدولة وتوفر له الإمكانات اللازمة، كما أن الحكومة أظهرت جدية في التعامل مع ملف الأمن المجتمعي، ولا سيما من خلال تشديد العقوبات بحق تجار ومهربي المخدرات، وهذه الخطوة تمثل رسالة حازمة بأن الدولة ماضية في حماية شبابها ومجتمعها من أخطر الآفات التي تهدد الاستقرار الأسري والاجتماعي وتستنزف طاقات الوطن ومستقبله، فالنجاح في هذا الملف لا يتحقق بالتشريع وحده، بل بتكامل الجهود بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات التربوية والإعلامية والمجتمعية.

على الصعيد الإداري، فإن توجه الحكومة نحو إعادة هيكلة بعض المؤسسات ودمجها يعكس وعياً متقدماً بضرورة معالجة الترهل الإداري، ورفع كفاءة الجهاز الحكومي، وتبسيط الإجراءات أمام المواطنين، فالإصلاح الإداري ليس ترفاً، بل هو شرط أساسي لأي نهضة اقتصادية أو تنموية، لأن الدولة القوية هي التي تمتلك مؤسسات مرنة وفعالة وقادرة على الإنجاز.

من المؤشرات الإيجابية أيضاً أن الحكومة بدأت بإعادة ترتيب بعض المواقع القيادية في مؤسسات وطنية مهمة، بما يعزز مبدأ الكفاءة والمسؤولية، ويبعث برسالة مفادها أن المرحلة المقبلة تقوم على العمل المؤسسي والانضباط الإداري، لا بمنطق المجاملة أو الاكتفاء بإدارة الواقع كما هو، وإنما بنهج يقوم على الكفاءة وتحمل المسؤولية، وإذا نجحت الحكومة في ترسيخ هذا النهج، فإنها ستخطو خطوة مهمة نحو استعادة الثقة بالمؤسسات العامة، وهي الثقة التي تُعد إحدى الركائز الأساسية لاستقرار الدولة وتعزيز فاعلية مؤسساتها، إن أهمية هذه الإنجازات لا تكمن فقط في مضمونها المباشر، بل في كونها ترسم ملامح نهج حكومي جديد يقوم على المبادرة والسرعة والاقتراب من أولويات المواطن، فالحكومة التي تبدأ من ملفات الرواتب، والصحة، والرسوم، والأمن المجتمعي، والإصلاح الإداري، إنما تختار الطريق الأصعب والأكثر تأثيراً، وهو طريق النتائج لا الشعارات، إن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه الخطوات إلى مسار مستدام، لأن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بقرار منفرد، بل بقدرة الحكومة على البناء المتدرج والمتكامل، فالمواطن ينتظر أن يرى أثر هذه السياسات في مستوى الخدمات، وفي فرص العمل، وفي جودة التعليم والصحة، وفي شعوره بأن الدولة تتحرك معه ولأجله.

إن حكومة جعفر حسان تمتلك اليوم فرصة حقيقية لترسيخ نموذج حكومي يقوم على الإنجاز لا على إدارة الوقت، وذلك إذا واصلت العمل بذات الروح، وابتعدت عن البطء الإداري، وحرصت على المتابعة الدقيقة والتنفيذ الفعلي للقرارات، كما أن نجاحها يتطلب الاستثمار في رأس المال البشري، من خلال الحفاظ على الكفاءات الوطنية وأصحاب الخبرات المتراكمة، وعدم التفريط بهم لمجرد التغيير أو إعادة الهيكلة، فالكفاءة لا تُقاس بالشهادة وحدها، وإنما بما يقدمه الإنسان من إنجاز وإخلاص وخبرة عملية، وفي الوقت نفسه، فإن أصحاب الشهادات العليا يمثلون رصيدًا علميًا وفكريًا لا غنى عنه، ودورهم أن يكون مكملاً للخبرات الميدانية، بما يحقق التكامل بين المعرفة الأكاديمية والتجربة العملية في خدمة مؤسسات الدولة، فالأردن بحاجة إلى حكومات تترجم الرؤية إلى واقع، وتحول القرارات إلى نتائج ملموسة، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع على أسس العدالة والكفاءة والمسؤولية، لأن الدول لا تنهض إلا عندما تضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وتُحسن استثمار جميع الطاقات الوطنية دون إقصاء أو تهميش.

في المحصلة، يمكن القول إن ما قدمته حكومة جعفر حسان حتى الآن يمثل بداية واعدة لمرحلة إصلاحية أكثر جدية، عنوانها الأبرز هو الاقتراب من هموم المواطن، والاشتباك الإيجابي مع الملفات المؤجلة، والسعي إلى بناء إدارة أكثر كفاءة وعدالة، وإذا استمرت هذه الروح، فإن الحكومة لن تكون مجرد محطة عابرة في المشهد السياسي، بل خطوة مهمة على طريق ترسيخ الثقة وصناعة الإنجاز.

إن حكومة جعفر حسان تمتلك اليوم فرصة قد لا تتكرر، فإما أن تُرسخ نموذجًا حكوميًا يقوم على سرعة الإنجاز والاقتراب من المواطن، وإما أن تضيع هذه الفرصة في تفاصيل التنفيذ، فالأردنيون لم يعودوا ينتظرون الوعود، بل ينتظرون نتائج يلمسونها في مستوى معيشتهم، وفرص عمل أبنائهم، وجودة الخدمات التي تقدمها الدولة، وعندما يتحول القرار إلى أثر، يصبح الإنجاز هو اللغة الوحيدة التي يصدقها الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى