أقلام بوست

د. الطراونة يكتب : لا ديمقراطية بلا قرار حزبي مستقل

عمان بوست – بقلم د. علي الطراونة

ليست أزمة الحياة الحزبية في نقص القوانين أو غياب النصوص، فالتشريعات وحدها لا تصنع تجربة سياسية ناضجة، ولا تبني أحزابًا قادرة على حمل هموم الوطن والمواطن. جوهر القضية يكمن في مكان آخر: حرية القرار الحزبي واستقلال الإرادة.

فالحزب السياسي لا يُقاس بعدد مقاره أو أعضاء هيئاته أو حجم حضوره الإعلامي، وإنما بقدرته على اتخاذ قراراته من داخل مؤسساته، وفق رؤيته وبرنامجه، بعيدًا عن أي تأثير أو وصاية أو تبعية. وعندما يفقد الحزب استقلال قراره، فإنه يفقد مبرر وجوده، وتتحول الديمقراطية إلى ممارسة شكلية تفتقر إلى روحها الحقيقية.

لقد أثبتت التجارب أن المواطن لا ينجذب إلى الشعارات، ولا تعنيه كثرة الأحزاب بقدر ما يعنيه وجود أحزاب تمتلك الشجاعة لتقول رأيها بوضوح، وتدافع عن برامجها بثقة، وتمارس دورها في الرقابة والمساءلة بمسؤولية، كما تقبل النقد والمحاسبة بشفافية. فالثقة لا تُمنح لمن يردد ما يُملى عليه، وإنما لمن يعبر عن قناعاته ويدافع عنها باستقلالية.

إن الحزب الذي لا يملك قراره لن يستطيع أن يمثل الناس بصدق، ولن يكون قادرًا على الدفاع عن مصالحهم أو تقديم حلول حقيقية لتحدياتهم. فالتغيير لا تصنعه الأحزاب التابعة، بل الأحزاب التي تنطلق من إرادة وطنية مستقلة، وتؤمن بأن ولاءها الأول للمصلحة العامة، وأن شرعيتها تستمدها من الناس، لا من أي مصدر آخر.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى استقلال القرار الحزبي ليست هجومًا على الأحزاب، ولا انتقاصًا من دورها، بل هي دعوة إلى تصحيح المسار، وإحياء العمل الحزبي على أسس راسخة من الحرية والشفافية والديمقراطية الداخلية. فالأحزاب القوية هي التي تقوي الدولة، وتثري الحياة السياسية، وتفتح المجال أمام التنافس البرامجي الحقيقي، لا التنافس الشكلي.

إن بناء حياة سياسية فاعلة يبدأ من حزبٍ حر، يمتلك قراره، ويحترم مؤسساته، ويصغي إلى قواعده، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وعندها فقط، تتحول الديمقراطية من نصوص تُقرأ إلى ممارسة تُعاش، ومن شعارات تُرفع إلى واقع يلمسه المواطن في ثقته بمؤسساته ومستقبل بلده.

إن إصلاح الحياة الحزبية لا يبدأ بإضافة مواد جديدة إلى القوانين، بل بترسيخ ثقافة الاستقلال والمسؤولية والشفافية. فبدون قرار حزبي حر، لن يكون هناك عمل حزبي حقيقي، وبدون أحزاب مستقلة، ستبقى الديمقراطية ناقصة، مهما تعددت المؤسسات أو ازدادت النصوص.

هذه ليست دعوة للنقد من أجل النقد، بل دعوة للإصلاح من أجل الوطن، ولإعادة الاعتبار للحزب بوصفه أداة للتغيير، لا مجرد إطار تنظيمي. فالحياة الحزبية التي نطمح إليها هي تلك التي تقوم على استقلال القرار، واحترام إرادة الأعضاء، وثقة المواطنين، لأنها وحدها القادرة على صناعة مستقبل سياسي أكثر نضجًا واستقرارًا.

تحياتي
د علي الطراونة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى