أقلام بوست

منسي يكتب : هل آن أوان المراجعة؟… لماذا أصبح تعديل قانون الانتخاب ضرورة وطنية لا خياراً سياسياً؟

وائل منسي

عمان بوست – بقلم وائل منسي

لا يُقاس نجاح أي قانون انتخاب بمجرد إجراء الانتخابات وفق أحكامه، بل بقدرته على إنتاج برلمان قوي، وتمثيل سياسي حقيقي، وحياة حزبية قادرة على تشكيل حكومات برلمانية مستقرة.
وبعد أول اختبار عملي لقانون الانتخاب الأردني رقم (4) لسنة 2022 في انتخابات 2024، أصبح من الواضح أن مرحلة التقييم الموضوعي لم تعد ترفاً سياسياً، بل استحقاقاً وطنياً ينسجم مع فلسفة مشروع التحديث السياسي نفسه، الذي بُني أساساً على مبدأ التطوير المستمر لا الجمود التشريعي.

لقد حقق القانون الحالي بعض المكاسب المهمة، وفي مقدمتها توسيع الحضور الحزبي داخل مجلس النواب مقارنة بالدورات السابقة، إلا أن التجربة العملية كشفت في الوقت ذاته عن اختلالات بنيوية حالت دون تحقيق الغاية الأهم؛ وهي الانتقال من برلمان الأفراد إلى برلمان البرامج، ومن المنافسة الاجتماعية إلى التنافس السياسي، ومن التمثيل الشكلي للأحزاب إلى التمثيل البرامجي الحقيقي.

وأبرز هذه الاختلالات يتمثل في الفصل الحاد بين القوائم المحلية والقائمة الحزبية الوطنية، وهو فصل خلق عملياً مسارين انتخابيين متوازيين لا يلتقيان. ففي حين أصبحت القائمة العامة ساحة للتنافس الحزبي، بقيت الدوائر المحلية خاضعة إلى حد كبير لاعتبارات العشيرة والجهوية والمال السياسي، الأمر الذي دفع كثيراً من المرشحين الحزبيين إلى خوض الانتخابات بأدوات تقليدية لا تختلف عن المرشحين المستقلين، فتحول الانتماء الحزبي في حالات عديدة إلى عنوان انتخابي أكثر منه مشروعاً سياسياً.

ولهذا لم يكن ارتفاع عدد النواب الحزبيين مؤشراً كافياً على تطور الحياة الحزبية، لأن جزءاً مهماً من هذا التمثيل جاء نتيجة الثقل الاجتماعي أو العشائري أو الإمكانات المالية، وليس بفعل الاقتناع بالبرامج السياسية.
والنتيجة كانت مجلساً يضم أفراداً يحملون صفات حزبية، لكنه ما يزال يفتقر إلى الكتل البرامجية المتماسكة القادرة على إنتاج تشريع نوعي، أو رقابة مؤسسية، أو أغلبية ومعارضة واضحتين، وهي الركائز الأساسية لأي تجربة ديمقراطية ناضجة.
كما أن عتبة الحسم الحالية ونظام القائمة المغلقة أديا إلى إهدار آلاف الأصوات وتقليص فرص الأحزاب الجديدة والناشئة، وأضعفا حق الناخب في اختيار الشخص الذي يثق به داخل القائمة نفسها، بما حدّ من المنافسة الداخلية على أساس الكفاءة، وأضعف مساءلة النواب أمام جمهورهم.
وفي المقابل، ما تزال ظاهرة المال السياسي والعصبيات المحلية تمارس تأثيراً ملموساً في نتائج الانتخابات، بما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، ويضعف ثقة المواطنين بقدرة العملية الانتخابية على إنتاج أفضل الكفاءات الوطنية. فكلما ارتفعت كلفة الفوز، انخفضت فرص أصحاب البرامج، وكلما غلب النفوذ المحلي، تراجع منطق الدولة والمؤسسات.

ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى تعديل شكلي للقانون، وإنما إلى مراجعة فلسفته بما يحقق التكامل بين التمثيل المحلي والتمثيل الوطني، ويجعل الحزب السياسي هو الإطار الطبيعي للمنافسة، لا مجرد خيار إضافي.

ومن أبرز الخيارات الإصلاحية التي تستحق النقاش، اعتماد نظام انتخابي يمنح الناخب صوتين؛ أحدهما للقائمة السياسية أو الائتلافية، والآخر لحزب أو تيار أو حركة اجتماعية يختاره داخل القائمة نفسها.
فهذا النموذج، المطبق بصيغ مختلفة في عدد من الديمقراطيات، يجمع بين عدالة التمثيل النسبي وحرية الاختيار داخل القائمة، ويعزز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، ويمنح الكفاءات الوطنية فرصة حقيقية للوصول إلى البرلمان دون أن تنفصل عن المشروع السياسي الذي تمثله.
كما أن ربط القوائم المحلية بالقوائم الوطنية بصورة تكاملية سيؤدي إلى بناء أحزاب تمتلك امتداداً مجتمعياً في المحافظات، بدلاً من أن تبقى الأحزاب محصورة في العاصمة أو في القائمة الوطنية فقط.
وعندها يصبح التنافس قائماً على البرامج التنموية والاقتصادية والاجتماعية، لا على اعتبارات الجغرافيا والقرابة وحدها.

إن تعديل القانون لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حكماً على التجربة بالفشل، بل دليلاً على نضجها. فالديمقراطيات الراسخة لا تتردد في مراجعة قوانينها الانتخابية بعد كل تجربة، لأن القانون الانتخابي ليس نصاً مقدساً، وإنما أداة تتطور بتطور المجتمع وأهداف الدولة.

واليوم، وبعد أن أصبح مشروع التحديث السياسي خياراً استراتيجياً للدولة الأردنية، فإن نجاحه يتطلب الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر عمقاً، يكون معيارها جودة المخرجات لا عدد المشاركين فقط. فالأردن يحتاج إلى برلمان يصنع السياسات لا الأشخاص، ويؤسس لحكومات برلمانية حقيقية، ويعزز الثقة بين المواطن والدولة، ويجعل البرنامج السياسي والكفاءة والنزاهة هي الطريق الأقصر إلى مجلس النواب.
إن مراجعة قانون الانتخاب لم تعد قضية حزبية ولا مطلباً نخبوياً، بل أصبحت ضرورة وطنية لضمان أن تتحول الانتخابات من مجرد آلية لاختيار النواب إلى أداة لبناء دولة سياسية حديثة، تقوم على التعددية والبرامج والمؤسسات، وتؤسس لاستقرار سياسي وتنموي طويل الأمد، ينسجم مع رؤية التحديث الشامل التي اختارها الأردن لمستقبله.

التيار #الديمقراطي

قانون #الانتخاب

القائمة #العامة

https://www.facebook.com/share/p/1BP3NJ1d9G

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى