الفاهوم يكتب:حين تموت الشركة الناشئة من الداخل

عمان بوست – بقلم د. أمجد الفاهوم
كثيراً ما نسمع أن السوق لا يرحم الشركات الناشئة، وأن المنافسة ونقص التمويل وضعف المبيعات من أبرز أسباب فشلها. وهذا صحيح في حالات كثيرة، لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده: ماذا لو لم يكن السوق هو المشكلة أصلاً؟
بعض الشركات لا يهزمها المنافس، ولا يرفض منتجها العميل، ولا تسقط لأنها لم تجد فرصة في السوق. بعضها يبدأ بالتراجع من الداخل، بصمت، قبل أن يكتشف المؤسسون أن الخطر الحقيقي أصبح داخل الشركة نفسها.
المنافسة طبيعية، وتفاوض العميل على السعر طبيعي، وتأخر التمويل أو ضعف التدفقات النقدية أمر وارد، خصوصاً في السنوات الأولى. وحتى الخطأ في المنتج يمكن اكتشافه وتصحيحه. لكن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تتحول طاقة المؤسسين من بناء الشركة ومواجهة السوق إلى إدارة خلافاتهم ومعاركهم الداخلية.
شريك يريد الانسحاب، وآخر يريد السيطرة على القرار، وثالث لا يعرف أين تبدأ صلاحياته وأين تنتهي. قرارات تتغير من اجتماع إلى آخر، وموظفون لا يعرفون ممن يتلقون التعليمات، ورواتب تتأخر دون تفسير، وأولويات تتبدل باستمرار. اليوم نريد التوسع، وغداً نريد خفض النفقات، وبعد غد نقرر تغيير المنتج أو السوق المستهدف.
فماذا نتوقع من الفريق في مثل هذه البيئة؟
الموظف لا يستطيع أن يعمل بكفاءة إذا كان عليه كل صباح أن يكتشف اتجاه الإدارة قبل أن يبدأ عمله. والمبدع لا يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه في بيئة يخشى فيها أن يصبح قرار اليوم خطأً غداً لأن أحد الشركاء غيّر رأيه. ومع الوقت يبدأ أصحاب الكفاءات بالمغادرة، ليس بسبب الراتب دائماً، بل لأنهم فقدوا الثقة بمستقبل الشركة وبقدرة إدارتها على اتخاذ القرار.
وهنا تظهر مشكلة لا ينتبه إليها كثير من رواد الأعمال. فقد تمتلك الشركة فكرة ممتازة، ومنتجاً مطلوباً، وسوقاً واعداً، وفريقاً متحمساً، وربما تمويلاً مناسباً، ومع ذلك تفشل لأن بنيتها الداخلية لم تكن جاهزة للنمو.
في الأردن نتحدث كثيراً عن دعم الشركات الناشئة، والتمويل، والحاضنات والمسرعات، والريادة والابتكار. وهذا كله ضروري، لكن ربما علينا أن نطرح سؤالاً مختلفاً: هل نعلّم الريادي كيف يؤسس مشروعاً، أم كيف يبني شركة قادرة على الاستمرار؟
والفرق بين الأمرين كبير.
قد يبدأ المشروع بفكرة جيدة، وفريق صغير، وعرض مقنع أمام المستثمرين، وتمويل أولي. أما بناء الشركة فيحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك: اتفاق واضح بين الشركاء، وتحديد للصلاحيات والمسؤوليات، وآلية لاتخاذ القرارات، وقواعد للتعامل مع الملكية والحصص، ودخول الشركاء وخروجهم، وطريقة متفق عليها لإدارة الخلاف قبل وقوعه.
وهنا تأتي الحوكمة. وهي في الشركة الناشئة لا تعني أن نحول فريقاً صغيراً إلى مؤسسة مثقلة باللجان والتعليمات والتواقيع. المطلوب أكثر بساطة وفاعلية: أن يعرف كل شخص دوره ومسؤوليته وحدود صلاحياته، وأن يعرف الجميع كيف يُتخذ القرار عندما تختلف الآراء.
هناك أسئلة يجب أن يجيب عنها المؤسسون وهم متفقون، لا عندما تبدأ الأزمة: من يملك ماذا؟ من يدير ماذا؟ من يمتلك صلاحية القرار النهائي؟ ماذا يحدث إذا أراد أحد الشركاء الانسحاب؟ كيف تُقيّم حصته؟ ماذا لو توقف أحد المؤسسين عن العمل وبقي محتفظاً بحصة مؤثرة؟ وكيف تتصرف الشركة عندما تتعارض مصلحة أحد الشركاء مع مصلحتها؟
هذه ليست تفاصيل قانونية يمكن تأجيلها إلى وقت لاحق، بل جزء أساسي من بناء الشركة وحمايتها.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الصداقة والثقة والحماس تغني عن الاتفاق الواضح. قد يبدأ المشروع بين صديقين أو ثلاثة تجمعهم علاقة ممتازة، لكن عندما تبدأ الشركة بالنمو تدخل الأموال والضغوط والموظفون والمستثمرون والالتزامات والمصالح المختلفة. عندها تتغير طبيعة العلاقة، وقد يتحول ما لم يُحسم في البداية إلى مصدر أزمة تهدد المشروع كله.
لذلك، قبل أن نسأل دائماً: كيف نحمي شركاتنا الناشئة من السوق والمنافسة؟ ربما علينا أن نسأل سؤالاً أكثر أهمية: كيف نحميها من مشكلاتها الداخلية؟
السوق يمكن دراسته، والمنافس يمكن مراقبته، والمنتج يمكن تطويره، ومصادر التمويل يمكن البحث عنها. أما الفوضى الداخلية، إذا تحولت إلى أسلوب إدارة وثقافة عمل، فإنها تستهلك الشركة تدريجياً، وتستنزف فريقها ومواردها وثقة العاملين والمستثمرين بها.
الفكرة الجيدة قد تطلق شركة ناشئة، والحماس قد يمنحها دفعتها الأولى، لكن الاستمرار يحتاج إلى إدارة واضحة، وانضباط، وثقة، وحوكمة تتناسب مع حجم الشركة ومرحلة نموها.
فالريادة ليست أن تبدأ مشروعاً فقط، بل أن تبني شركة تستطيع الاستمرار عندما يختلف المؤسسون، وتتغير الظروف، ويشتد ضغط السوق.


