أقلام بوست

العرجان يكتب : 4 أعلام عربية رفعها أبطال على قمة البروس

عمان بوست – بقلم عبدالرحيم العرجان

في صورة تختصر معنى التحدي والانتماء، اجتمعت أربعة أعلام عربية فوق قمة جبل البروس الروسية، الأعلى في القارة الأوروبية، بارتفاع يبلغ 5642 مترًا، في مشهد اخوي عربي يختزل المغامرة والإنجاز والعمل الذاتي المشترك.

هناك تجلى أبطالًا من الكويت، تونس، مصر والسعودية، ليقولوا إن الوطن حاضر بفخر، ولا شيء يعادل تلك اللحظة المعبّرة عن خالص الانتماء. فالجبال تصبح شاهدة على العزيمة والإرادة، لتشهد هذه القمة لقاءً عربيًا فوق سقف القارة الأوروبية.

فالوصول إلى البروس ليس نزهة عادية؛ إذ يحمل كل متر من الصعود تحديًا بحد ذاته، فهو يمثل حصيلة استعداد بدني ونفسي، وخبرة في التعامل مع الجبل، وقدرة على اتخاذ القرار في ظروف قد تتغير بسرعة، إلى جانب الاعتماد على معدات وملابس باهضة الثمن يتم اختيارها بعناية.

والمتسلق عندما يصل إلى القمة لا يصعد وحده؛ بل يحمل معه قصة بلده، وثقافته، وأحلام من يتابعون رحلته بلقلب الدعاء. ولهذا أصبحت القمم، في السنوات الأخيرة، منصات يثبت عليها المغامرون حضورهم، ويحوّلون الإنجاز إلى رسالة إنسانية أو دعوة سياحية وقدوة للطموحين.

مشعل المنديل.. قائد البعثة، السعودية

وقد صرّح المنديل بأن الرحلة نُظمت من قبل «بانجيا للتجارب والرحلات وتنظيم الوجهات» في السعودية، وأن الفريق نجح بالوصول إلى قمة البروس، ضمن سلسلة جبال القوقاز.

وأوضح أن البعثة ضمت مريم فراج من مصر، بلقيس كسوري من تونس، بلقيس رمضان من الكويت، ونورة الشهراني ونواف السعدون من السعودية.

وأضاف أن الرحلة استمرت ستة أيام متواصلة، وبلغ مجموع الارتفاع التراكمي نحو 3100 متر، فيما شهد يوم القمة صعودًا بلغ 642 مترًا، واستغرق 15 ساعة صعودًا ونزولًا، وسط ظروف جوية صعبة، تمثلت في أجواء عاصفة ورياح بلغت سرعتها نحو 40 كيلومترًا في الساعة، إلى جانب تدني مستوى الرؤية بسبب الضباب.

وأكد أن جميع أفراد الفريق عملوا بروح واحدة وتعاون كامل، مع الالتزام بالتوجيهات والتعليمات، وهو ما أسهم في تجاوز التحديات وتحقيق الهدف بنجاح.

مريم فراج.. علم مصر فوق قمة البروس

وقالت فراج إن وصولها إلى القمة كان ثمرة شهور من التدريب والاستعداد البدني والنفسي، مؤكدة أن الساعات الأخيرة كانت اختبارًا حقيقيًا للتحمل، في ظل الإرهاق ونقص الأكسجين، وما يرافق ذلك من تأثير في قدرة الجسم على توليد الطاقة والتوافق العضلي العصبي، وسط أجواء من العزلة والارتفاع الشاهق.

وأضافت أن حمل علم وطنها إلى القمة كان دافعًا كبيرًا لها، وأنها بكت خلال خطواتها الأخيرة من شدة المشاعر، مشيرة إلى أن أجمل مشهد كان رؤية أعلام دول عربية تُرفع معًا، وهو ما منحها شعورًا استثنائيًا بالفخر والانتماء، وجعل الإنجاز يتجاوز كونه إنجازًا شخصيًا ليصبح لحظة عربية مشتركة.

كما عبّرت عن تقديرها لدعم بنك مصر، الذي ساعدها على التوفيق بين عملها و ووقت التدريب، مؤكدة أن رفع شعار البنك إلى جانب علم مصر يمثل تعبيرًا عن امتنانها للمؤسسة التي دعمت طموحها وتبنّت شغفها.

بلقيس رمضان..الكويت «وطني اعتلى القمة»

وقالت الرحالة بلقيس: «كان الوصول إلى واحدة من القمم السبع العالمية مع «بانجيا» تجربة مميزة، لما لديهم من مرشدين خبراء وفريق متمرس يضع معايير السلامة في نصاب أولوياته. وسبق لي خوض تجربة ناجحة معهم إلى قمة جبل شمس في سلطنة عُمان، برفقة القائدة المرحومة نظيرة الحارثي.

فما إن بدأت عمليات التأقلم والتكيّف العقلي والجسدي مع الارتفاعات، حتى بدأت الحكاية الحقيقية؛ مع نقص الأكسجين وتسارع دقات القلب، المصحوبين بالتعب والإرهاق، ليصبح الأمر يختبر صبر العقل قبل العضلات. وهنا، إما الاستسلام لنداء الراحة، أو تذكير نفسك بالسبب الذي دفعك إلى هذه الغاية.

فكان الإصرار والإرادة سلاحي الأقوى. أخطو بثبات، وأتنفس بعمق، وأكرر في نفسي: «لقد قطعت مسافات كبيرة، لن أنسحب… سأصل».

إلى أن بلغنا القمة، وما إن التقطت أنفاسي، حتى سارعت إلى رفع علم وطني وسط ذلك الصمت المهيب الذي فرضه الإرهاق.

رفع العلم هو الصوت الوحيد الذي يعبّر عني في تلك اللحظة؛ فرسالتي أنني لم أعتلِ القمة بصفتي بلقيس شخصيًا، وإنما اعتلاها وطني في مشهد يفيض بالعروبة والانتماء».

نورة الشهراني. السعودية. الطموح لا يملك تاريخ انتهاء

وقالت المتسلقة الشهراني: «منذ عقد من الزمان شغفت بالقمم، وبلغت عددًا منها في المملكة ودول عربية، ثم أخذني الطموح إلى كليمنجارو، سقف أفريقيا.

وتعلمت أن الجبال لا تمنحك القوة بقدر ما تكشف لك تلك القدرة المكنونة داخلك، والأهم أنني عرفت كيف أستمع إلى جسدي، ومتى أطلب منه خطوة إضافية.

ثم جاء إلبروس ليكون محطة جديدة وتحديًا مختلفًا، فأردت أن أعرف من خلاله إلى أين يمكن أن يأخذني هذا الشغف.

وفي الجبل، لا يهم كم أنت سريع، بل أن تستمر؛ ليبدأ التعب بالتفاوض معك، ويصبح قرار الاستمرار جزءًا من معركة الجبل.

وهنا كانت واحدة من أهم الرسائل التي حملتها معي: العمر مجرد رقم، لكنني أؤمن بأن الطموح لا يملك تاريخ انتهاء صلاحية، رغم أنني أبلغ من العمر 65 عامًا.

فالجبل لا يسألك كم عمرك، بل يسألك فقط: هل أنت مستعد لأن تكمل؟

وعندما وصلت إلى القمة، كنت منهكة، لكنني كنت أحمل شيئًا لهذه اللحظة لأرفعه: علم بلدي. وازدادت اللحظة جمالًا عندما خفقت الأعلام الأربعة معًا».

تكريم مستحق

يبقى هؤلاء الأبطال العرب، وغيرهم من الرحالة، نموذجًا لطموح لا يعرف الحدود؛ يصنعون نجاحاتهم بجهودهم الذاتية ودعم محدود، حاملين ارواحهم وأعلام أوطانهم فخر انتمائهم، في رحلات شاقة تُنهك الروح قبل الجسد.

ومن هنا، فإن ما يحققونه لا يستحق الإعجاب فحسب، بل يستوجب أيضًا الرعاية والتكريم، تقديرًا لهذا العطاء النادر، ولما يقدمونه من صور مشرّفة لوطننا العربي، ورسائل ملهمة تؤكد أن الراية حين تصل إلى القمة، فإنها تحمل معها حكاية وطن وفخر شعب وطموح أمة.

عبدالرحيم العرجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى