الخواجا يكتب : كفى تلاعباً في واقع ومستقبل الشباب

عمان بوست – بقلم د. ماجد الخواجا
ثمة معضلتان مزمنتان تسعى الحكومات المتعاقبة الهروب منها عبر ترحيلها المتواصل، حلول جوفاء عديمة القيمة والمعنى والجدوى تتبناها الحكومات في سبيل مواصلة التخدير والتسويف والمماطلة والنأي عن التصدّي الفعلي للمعضلة.
المعضلتان هما ” التعليم، التشغيل”، لا تمضي دورة تعليمية إلا وتخرج الحكومة بقرارات عقيمة على شاكلة صاحب الدكانة القديمة الذي يقوم بتغيير أماكن الأشياء بين الأرفف، فيقدِّم هذه السلعة ويؤخِّر ذاك المنتج، أو كما تفعل ربّات البيوت بين فترةٍ وأخرى وخاصةً قبل المناسبات والأعياد، فتقوم بتغيير أماكن أثاث المنزل، تغيير طريقة ترتيب النثريات والمقاعد والزوايا، بحيث يتوهم الضيف أن هناك تغييرات جوهرية حدثت للبيت، فيما الحقيقة أن ما جرى عبارة عن تحريك ذات المحتويات من أماكنها، تماماً كمن يقوم بإفراغ ذات المشروب الفاسد لكن في عبوات جديدة. هذا ما تفعله وتقترفه الحكومات بحقنا، معتقدةً أنه يسهل استغفال المجتمع وأطالة أمد المعاناة عبر ترحيل الأزمات.
بالمناسبة أمضيت فترةً طويلةً أثناء العمل العام، كنتُ أنشغل بين فينةٍ وأخرى بتحريك المكتب والمقاعد والخزائن والملفات، في نفس الغرفة والمساحة الفيزيقية، لكن كنت أشعر بالرضى وتغيير الروتين الشكلاني للمكتب، بما يزيد من منسوب الحيوية لفترةٍ قادمة.
تنشغل الحكومات في كيفية إيجاد معادلة توازن بين المطلوب والمعروض، المطلوب ابتداءً كطلبة في التخصصات التي أصبح جلّها إما راكدة أو مشبعة أو غير مطلوبة نهائياً في سوق العمل، فيتفتق ذهن اللجان الفنية باستحداث تخصصات يتم سلخها من التخصص الرئيس، مما يعمل على تلبية اشتراطات مجالس التعليم العالي، ويولّد أعداداً لتغطية النقص الناتج عن التوقّف في تسجيل الطلبة في تخصصات محددة. وثانياً تنشغل الحكومات في سوق العمل المنهك والمستنزف والمحدود، فتتذرع بحكايات من قبيل ضرورة ” موائمة الخريجين ومؤهلاتهم لمتطلبات سوق العمل” هذه الجملة كافية لاستيلاد برامج ومشاريع تهدف إلى تزويد الخريجين بمهارات تسمى مهارات التسويق الناعمة، وأنه لكي يحصل الخريج على فرصة عمل، لا بد أن يحصل على تدريب ومهارات لا ترتبط بصلب التخصص المعرفي، وإنما تم افتراض أن تلك المهارات هي البوابة التي تتيح له فرصة عمل ما.
انشغلت الحكومة عبر عقود من الزمان في معضلة ” التوجيهي”، كان السائد لسنين طويلة نظام المسارين الأكاديمي ويتضمن المسربين العلمي والأدبي، ثم أضيف لهما الشرعي، والمسار المهني ويتضمن مسارب الزراعي والصناعي والتمريضي والمهني والإقتصاد المنزلي. فبدأت الأفكار العظيمة التي تسعى في أهدافها غير المُعلنة إلى تحقيق هدف رئيس يتمثل في تقليل عديد الملتحقين أو الراغبين بالإلتحاق في تخصصات محددة، والتقليل من نسب النجاح، وتدحرجت كرة التوجيهي بصورةٍ عشوائية، لكنها استمرت في توليد ذات النسب من الناجحين ومن الراسبينن ذات النسب المتزايدة ممن يحققون معدلات عالية، ذات النسب ممن يلتحقون بالتخصصات المطلوب الحدّ من الملتحقين بها. فقط التغييرات التي كانت تحدث في زيادة التعقيدات والجبايات والإختبارات، مع تضخم في المناهج، وصولاً إلى ما يسمى الآن بالحقول التي لا تخرج في شكلها النهائي عن النظام التعليمي التقليدي، لكنها زادت من الإشكالية التي وضعت الوزارة نفسها بداخل أزمة لا حلَّ لها. أزمة بدت تظهر عند عمليات الاختيار والقبول الجامعي خاصةً في الدول التي تتعامل بأنظمة تعليمية معيارية تتطلب أن يكون الطالب قد استكمل دراسة مواد رئيسة مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء والأحياء، وهي مواد أخرجتها العبقرية التربوية من دائرة الضرورة والأولوية إلى دائرة الفرعية والثانوية.
لقد تشوَّهت صورة الخرِّيج الجامعي ناهيك عن صورة الطالب الجامعي، ولو كنت أمتلك القرار الجامعي لرفعت قضايا على الحكومة ووزارة التربية التي قللت من قيمة وشأن الشهادة والتخصص الجامعي، حيث تتزعم المرحلة فكرة رديئة تتمثل بتشجيع الخرِّيجين الجامعيين على الإلتحاق بعد التخرُّج في تخصصات حرفية مهنية محددة، هذه التخصصات بالأصل موجّهة إلى من ينهون المرحلة الأساسية فما دون. فأصبح الزحام كبيراً والتهافت لأجل تحصيل أية فرصة عمل، مما أفقد سوق العمل بوصلته، ولم تعد المعايير السابقة يُعتدُّ بها.
إن الحكومة لا تريد الإعتراف والإقرار بالعجز وعدم المقدرة على ضبط أعداد الطلبة ومساراتهم وخياراتهم، ولا هي قادرة على هضم واستيعاب أعداد الخريجين وتوفير فرص عمل لائقة تتناسب وتخصصاتهم الجامعية التي صرف أهاليهم الغالي والنفيس إضافة للجهد والوقت المبذول في سبيل الحصول على شهادة تخصصية، ليفاجأ الخرّيج بأن تدعوه الحكومة إلى البحث عن تدريب على حرفة متواضعة وعلى أمل أن يجد فرصة عمل. وللحديث بقية من وجع.


