الخواجا يكتب : التوظيف السياسي وفن السخرية.. السحر فيما يخفى لا ما يظهر (1)

عمان بوست – بقلم الدكتور ماجد الخواجا
” الساخر يمتلك أخطر سلاح لكنه يفضّل الوخز بالإبر بكشف بعض ما هو مستور من ممارسات السلطة”
السخرية ليست وليدة هذا العصر، فهي وجدت مع وجود البشر، من خلال ما تدعى ” النكتة” وإطلاق التوصيفات والألقاب، ربما كانت استخداماتها بشكلٍ فرديٍ وعفوي، لكنها تطورت وتحورت وأخذت نوعاً من التوظيف الاجتماعي والسياسي، إلى أن أصبحت ضمن مؤلفات أدبية على هيئة حكايات وسرديات، واقتحمت بقوة عالم الفنون، عبر الكوميديا الساخرة، ونضجت في الكتابة القصصية والروائية، إلى أن أصبحت وسيلة وحرفة لبعض الكتَّاب الصحفيين والمثقفين، بظهور الكتابة الناقدة والساخرة.
تطوّر استخدام فنّ السخرية بوصفها أداة نقديّة للواقع ومبرزة لدروسه وعبره، وكلّما التقت حاسّة الفكاهة والهزل مع الرغبة في ممارسة حقّ التعبير الحرّ عن الرأي، ضمن خصائص بلاغيّة تستخدم: (التورية، الذمّ والهجاء، الترميز واستبطان المعاني، المضاهاة والبرهان بالخلف، السجع والجناس،.. وغيرها)، للتعبير عن تمثّلات الرفض والتمرّد، كانت السخرية سيّدة الموقف للتعبير عن المعارضة والسلطة العفوية المضادة، في قالب فنيّ راقي للضحك الواعي، أو أصطلح على تسميته بـ: ” الفنّ المؤلم، المتألّم”، وهو ما يفصل الظاهرة عن مستويات التفوُّق الحضاريّ للمجتمعات، لأنّ فنّ السخرية يستوعب كافة أوضاع المجتمع، وسياقاتها، ومستويات قوة الدولة، وأوضاع الأفراد فيها.
كما تطوّر فنّ السخرية بإطراد وصولاً إلى عصرنا الحاليّ، الذي يعرف عشرات الأشكال والتمثّلات لفنّ السخرية الحداثيّة، من السخرية عبر الموسيقى (الفنّ الثاني)، السخرية في الكاريكاتير “الرسم والجرافيك” (الفنّ الثالث)، السخرية في المسرح عبر الرقص والمونولوجات التهكميّة (الفنّ الرابع)، السخرية في الشعر (الفنّ الخامس)، السخرية عبر النحت (الفنّ السادس)، السخرية في الأفلام السينمائية (الفنّ السابع)، السخرية في البرامج الحوارية وكاريكاتير الجرائد وعبر الراديو (الصحافة، السلطة الرابعة)، السخرية بالدمى (خيال الظلّ والأراغوز ” قره قوز”، والغينيول ” كاريكاتير الدمى المتحركة”)، السخرية عبر اليوتيوب والتيك توك والإنستغرام والإعلام الجديد…، وغيرها من أشكال الاحتجاج بالفنّ، حين يرى الساخر العالم بشكل مقلوب، ويملأ بملقاطه الدقيق مفارقات الوقع وتناقضات القيم.
يقول الفيلسوف الألماني نيتشه: ” لما كان الإنسان أعمق الموجودات ألماً وتعاسةً وشقاءً، كان له أن يخترع الضحك ليتحول إلى أكثر الكائنات انشراحاً وبشاشةً”، وهو ما جعل الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون يكشف أنّ (12 عضلة تتحرك في وجه الإنسان حين يضحك).
ظهرت السخرية من القيود القانونية والثقافية كتقنية للتعبير عن الرأي والاحتجاج والتمرّد بالفنّ، بهدف الخلاص من التحكّم السلطويّ، والرغبة في الانعتاق من قيود الانصياع وديمومة الإذعان. فما هو السبيل إلى زحزحة الباب العملاق لتطبيع فنّ السخرية كما يقول الراحل غسّان كنفاني، حتى ترتفع فنون السخرية العربية على فقرها، إلى الطراز العالميّ الرفيع؟.
التجارب الساخرة في تاريخ “الأدب الأزرق” أو الشعر العربي من الجاحظ والهمذاني وجرير والفرزدق والأخطل وأبي نوّاس قديماً، وصولاً إلى عباس محمود العقّاد وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد رضا حوحو وبيرم التونسي، وغيرهم في القرن العشرين، وصولاً إلى الشعراء محمد الماغوط، شريف الراس، حفني ناصف، محمود غنيم، محمد مصطفى حمام، غسّان كنفاني، سيّد الملاّح، صلاح جاهين، أحمد مطر، وغيرهم من رموز السخرية العربية.
تم استغلال السخرية في كلّ المونولوجات المعروضة لنقد قوانين الأسرة، حرية التعبير، رداءة التعليم، الفساد، الانغلاق والإرهاب والتشدّد، الفقر، وغيرها من الظواهر السلبية في العالم العربي والغرب أيضا، كما تعرف الدول العربية على اختلافها نماذج الكوميديا الساخرة للضحك الذكيّ والناقد، باستخدام نصوص وتقنيات بلاغيّة مختلفة لما يصفه الروائيّ الجزائريّ ياسمينة خضرة بـ: “مكر الكلمات”، وهي تقنيات لسانيّة تسبّبت في شهرة أصحابها، على غرار الفنانين والإعلاميين الساخرين (عبد القادر علّوله، سيراط بومدين، محمد فلاق، صلاح جاهين، محمد أيوب، محمود السعدني، جلال عامر، جاد المالح، باسم يوسف، أحمد البشير، جو شو، عبد الغني مهدي، أسامة وحيد، عادل شو، أحمد السنونسي “بزيز”، أحمد بنشمسي، ياسر قطامش، عمرو قطامش، عمرو فهمي…) وقائمة طويلة من الساخرين العرب. غير أنّ مسألة التمويل تطرح مسألة أدلجة وتسييس فنّ السخرية في التجارب العربية.
عرف العرب تجربة الكراكوز (الكاريكاتير المتحرّك بالدمى الساخرة) في التجربة المصرية في أربعينيات القرن الماضي. وجاء ترسيخ السخرية “الحلمنتيشية” في مصر المعبّرة عن استخدام الألفاظ بطريقة ضاحكة لوصف وتوصيف ظاهرة أو حالة سوسيوبوليتيكية.
قد يقع الساخر السطحيّ في فخ العبثية والتهريج ولا ينجح في الاستمرار. إن قدرة الساخر على توظيف مساوئ استخدام فنّ التهكّم كسلاح عقابيّ لإحراج الخصوم وإهانتهم ومحاولة نشر الكراهية، رغم أنّ هذا النوع الفنيّ ممنوع في الإعلام في الغالب، مما يطرح التساؤلات حول تصنيف السخرية المبالغة تحت بند حريّة التعبير.
فالسخرية فن شديد الحساسية والخصوصية يحتاج إلى كاتب حاذق يتقن فنون التورية والرموز والكنايات والاستعارات، وخطابها يتطلب مهارة وخفة ظل وسرعة بديهة ومعرفة ودراية بالعلوم والآداب، وقد اقتصر العصر الجاهلي على السخرية في الهجاء ثم زاد عليه في العصور اللاحقة أدب الطرائف والذي يجمع الفكاهة والطرفة في مبحث واحد مثل كتب تراثية مشهورة على غرار “البخلاء” للجاحظ، الذي يعتبر مدرسة في السخرية التي برزت بحكايات المغفلين والحمقى بالإضافة لمرويات أخرى من قطائف الظرف وغيرها كثير وردت كلها في كتب التراث. وظل هذا الأمر متبعًا حتى القرن العاشر الميلادي وظهور “مقامات بديع الزمان الهمذاني” التي تعتبر من أبرز فنون السخرية لما حملته من معاني التهكم والفكاهة البارعة التي تبعث على المرح والابتسام بالإضافة إلى تصويره جزءًا من ثقافة عصره متخذًا راويًا يدعى عيسى ابن هشام عن مغامرات أبي الفتح السكندري ثم تلاه محمد الحريري البصري بمقاماته الأكثر شهرة، وقد لا يمكننا اعتبار المقامات ساخرة بشكل كامل وإنما تتبع في جزء منها للمغامرات وضروب الذكاء والخفة والبديهة الحاضرة، وقد تخصص ابن الرومي في التقاط المفارقات بوصف الأشخاص والأشكال حتى قيل عنه إنه رسام الكاريكاتير في الشعر القديم. وفي العصر العباسي نشطت حركة النثر بأشكالها المختلفة ولا سيما القص الفكاهي، فقد لمع نجم أبي العلاء المعري الذي يحسب أنه من الفلاسفة الشعراء عبر أسلوب التهكم والسخرية الفلسفي، وقد حفل كتابه “رسالة الغفران” بمفارقات فلسفية وفكرية في رده على ابن القارح في تصويره رحلته في وصفه لمصائر الأدباء وتوزعهم في الجنة والنار في شطحات تخيلية يجتمع فيها العراك والعربدة ويعلو الصوت فيصير صياحًا وجعجعة.


