فيلم “نازا” يشعل غضب إسرائيل.. تحرك عسكري وتهديد بسحب جنسية مخرجيه
عمان بوست – أشعل الفيلم الوثائقي الإسرائيلي “نازا” (NAZA)، الذي يتناول العمليات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية في قطاع غزة، موجة غضب داخل إسرائيل، تحولت من انتقادات سياسية إلى تحرك رسمي داخل الجيش لبحث إجراءات قانونية والتحقيق في احتمال تسرب معلومات سرية، بالتزامن مع دعوة وزير إسرائيلي إلى سحب الجنسية من مخرجي الفيلم.
وتصاعد الجدل عقب فوز الفيلم، من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الـ83 لمهرجان البندقية السينمائي الدولي في 12 أيلول/سبتمبر الحالي.
ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الفيلم بأنه “تحريض صادم”، معتبرًا أن ما وصفه بالتحريض ضد إسرائيل من الداخل “لا يمكن احتماله”.
تحرك داخل الجيش
وفي أحدث تطورات القضية، عقد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير اجتماعًا مع كبار المسؤولين لمناقشة مضمون الفيلم، ووجّه المدعي العسكري العام إلى بحث إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية بحق العمل والقائمين عليه.
كما أمر زامير بفحص الجوانب المتعلقة بأمن المعلومات، والتحقيق في احتمال تسرب مواد سرية استخدمت أثناء إنتاج الفيلم، إلى جانب تشكيل فريق متعدد التخصصات برئاسة شعبة التخطيط في الجيش، لبحث آليات التعامل مع ما وصفه الجيش بـ”الادعاءات الكاذبة”.
وقال زامير إن ما ظهر من الفيلم حتى الآن لا يمثل، بحسب رأيه، انتقادًا مهنيًا للجيش أو محاولة للوصول إلى الحقيقة، بل يتضمن “اتهامات كاذبة وخطيرة” وتشويهًا متعمدًا للواقع.
لكن زامير أوضح لاحقًا أنه لم يشاهد الفيلم كاملًا، ولا يعرف هوية الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات أو مصادر المعلومات التي اعتمد عليها العمل، مشيرًا إلى أن الادعاءات والأحداث التي يتناولها الفيلم لم تُعرض على الجيش رسميًا، ما يجعل الرد عليها بصورة مفصلة أمرًا صعبًا.
وكان الجيش الإسرائيلي قد طلب من القائمين على الفيلم إتاحة نسخة كاملة منه، حتى يتمكن من الاطلاع على مضمونه والرد بشكل تفصيلي على الاتهامات الواردة فيه، بعدما استندت مواقفه الأولى إلى المقاطع الدعائية والمواد الترويجية المنشورة عنه.
ماذا يكشف الفيلم؟
يمتد فيلم “نازا” لنحو 80 دقيقة، ويعتمد على شهادات 24 مصدرًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، جرى حجب هوياتهم، ويتناول آليات جمع المعلومات وتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات خلال الحرب على قطاع غزة.
ويشير عنوان الفيلم “NAZA” إلى مصطلح عسكري إسرائيلي يتعلق بالتقدير المتوقع لعدد الضحايا المدنيين الناتج عن الضربة الجوية.
وبحسب ما يقدمه الفيلم، تتحدث بعض الشهادات عن استخدام أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في عمليات جمع المعلومات وتحديد الأهداف، إضافة إلى تقدير أعداد المدنيين المتوقع وجودهم في المواقع المستهدفة قبل تنفيذ الغارات.
كما يتضمن العمل روايات عن قواعد إطلاق النار، ومراقبة الفلسطينيين، واستهداف منازل ومبانٍ في القطاع، وهي معلومات يقول صناع الفيلم إنهم حصلوا عليها من مصادر عسكرية واستخبارية، فيما يرفض الجيش الإسرائيلي عددًا من هذه الادعاءات.
وجرى تصوير المقابلات في ظروف هدفت إلى حماية هوية المصادر، فيما امتدت عملية إنتاج الفيلم نحو 3 سنوات، وصورت أجزاء منه ليلًا على أسطح مبانٍ في تل أبيب.
والفيلم من إنتاج صحيفة “الغارديان” البريطانية و”JW Films”، وهو من إخراج أبراهام وزور، اللذين شاركا أيضًا في إخراج الفيلم الوثائقي “لا أرض أخرى”، الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025.
الجيش ينفي استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف الضربات
ورفض الجيش الإسرائيلي ما ورد في الفيلم بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات تتعلق بتنفيذ الغارات، مؤكدًا أن قرارات اختيار الأهداف والموافقة على الضربات يتخذها أشخاص وليس أنظمة ذكاء اصطناعي.
كما نفى بشكل خاص ما ورد في المواد الترويجية بشأن التخطيط لضربة كان متوقعًا أن تسفر عن مقتل 500 مدني، مؤكدًا أنه لم يخطط أو يوافق أو ينفذ ضربة في غزة كان متوقعًا أن تقتل هذا العدد أو عددًا قريبًا منه.
وشكك الجيش كذلك في قدرة بعض المصادر التي يستند إليها الفيلم على معرفة تفاصيل مرتبطة بالاستراتيجية العسكرية والأمنية، معتبرًا أن بعض الروايات تتجاوز نطاق المعلومات التي يمكن أن تكون متاحة لعسكريين يشغلون مواقع وظيفية أدنى.
وأضاف أن بعض الحالات التي يتناولها الفيلم تتعلق بعمليات لا يشارك فيها أفراد من شعبة الاستخبارات التي يقول الفيلم إنه أجرى مقابلات مع عدد من عناصرها، بحكم طبيعة مهامهم.
وأكد زامير أن الجيش سيواصل التعامل مع ما وصفه بـ”الانتقاد الموضوعي” ومراجعة أدائه، لكنه رفض ما اعتبره اتهامات غير مستندة إلى أساس.
دعوة لسحب الجنسية
وامتد الجدل إلى الحكومة الإسرائيلية، إذ دعا وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار إلى سحب الجنسية الإسرائيلية من مخرجي الفيلم، متهمًا أبراهام وزور بـ”الخيانة”.
وطالب زوهار بالتحقيق في كيفية حصول صانعي الفيلم على المواد والمعلومات المستخدمة فيه، وما إذا كانت عملية الإنتاج تضمنت مخالفات تتعلق بكشف معلومات خلال فترة الحرب.
وانضمت جهات حكومية أخرى إلى مناقشة تداعيات الفيلم، إذ أفادت تقارير إسرائيلية بأن وزارة الخارجية أجرت مشاورات بشأن كيفية التعامل معه والرد على الادعاءات التي يطرحها.
كما جرى إعداد نقاط للرد على الفيلم وتعميمها على دبلوماسيين إسرائيليين في الخارج، في ظل الاهتمام الدولي الذي حظي به بعد عرضه في مهرجان البندقية وفوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة.
وبذلك انتقل “نازا” من قاعات السينما إلى صلب نقاش سياسي وعسكري وإعلامي داخل إسرائيل، في وقت لم يكن عدد من كبار المسؤولين قد شاهد الفيلم كاملًا عند صدور المواقف الأولية الرافضة لمضمونه.
“الغارديان” تدافع عن الفيلم
في المقابل، دافعت صحيفة “الغارديان” عن الفيلم ومخرجيه، مؤكدة أن العمل جاء نتيجة أكثر من 3 سنوات من العمل الصحفي الاستقصائي.
وقالت الصحيفة إن هويات المصادر السرية التي يستند إليها الفيلم جرى التحقق منها، وإن المواد خضعت لمراحل من التدقيق والمراجعة، ووصفت رد الفعل الإسرائيلي على الفيلم بأنه “سلطوي”.
كما دافع أبراهام عن العمل خلال مقابلة مع القناة 13 الإسرائيلية، مؤكدًا أن هويات الأشخاص الذين ظهروا في الفيلم والحالات التي تحدثوا عنها جرى التحقق منها، وأن فريقًا من المحررين راجع المواد الأصلية.
وأكد المخرج رغبته في عرض الفيلم داخل إسرائيل على نطاق واسع.
ويأتي هذا الجدل في وقت لم يُطرح فيه الفيلم بعد على نطاق واسع، إلا أن فوزه في مهرجان البندقية وردود الفعل السياسية والعسكرية التي أعقبته حولته إلى قضية تتجاوز الوسط السينمائي، لتطرح في إسرائيل نقاشات أوسع بشأن أداء الجيش، وسرية المعلومات، وحدود حرية الصحافة والعمل السينمائي.



