أقلام بوست

منسي يكتب : نبيلة الحشوش… حين تتحدث الأرض

عمان بوست – بقلم وائل منسي

لم تعد قضية نبيلة الحشوش مجرد قضية امرأة أُوقفت على خلفية شكوى؛ فقد تحولت، في وقت قصير، إلى ظاهرة تضامن اجتماعي واسعة تستحق أن تتوقف أمامها الدولة بعقل هادئ، لا بوصفها حدثًا عابرًا، بل باعتبارها مؤشرًا على حالة اجتماعية أعمق.

قد تكون تفاصيل القضية وإجراءاتها من اختصاص الجهات المعنية، لكن حجم التفاعل معها يقول شيئًا لا ينبغي تجاهله: نبيلة أصبحت عنوانًا لقضية تتجاوز شخصها، وتتصل بالأرض والمرأة والرزق والكرامة والمشاركة العامة.

وهنا تظهر أهمية حكمة الدولة. فليس كل ما يمكن فعله قانونيًا يكون بالضرورة حكيمًا اجتماعيًا، ولا تكون هيبة الدولة دائمًا في التشدد؛ أحيانًا تكون في القدرة على مراجعة الإجراء، واحتواء التداعيات، وفتح باب الحوار في اللحظة المناسبة.

وما يزال هناك، على ما يبدو، مجال لهذه الحكمة.

فنبيلة ابنة الأغوار الجنوبية، حيث الأرض ليست مجرد ملكية عقارية، بل مصدر رزق وإنتاج وأمن غذائي وذاكرة وانتماء. ومن هذه الأرض تحديدًا تنشأ قوة الحركات الاجتماعية؛ فهي لا تُصنع في المكاتب، ولا تستورد شعاراتها من الخارج، بل تنبع من تجربة الناس ومصالحهم المباشرة وشعورهم بأن مستقبلهم يُقرر من دونهم.

وهذا ما يجعل التعامل مع قضية الأغوار مختلفًا. فالاستثمار والتنمية مطلوبان، لكن التنمية التي تتجاهل الإنسان والأرض المنتجة قد تنتج نموًا اقتصاديًا من جهة، وقلقًا اجتماعيًا من جهة أخرى.

 أما التنمية المستدامة فهي التي تحمي الاستثمار وتحفظ في الوقت نفسه كرامة الناس وحقهم في المشاركة وصون مصادر رزقهم.

لذلك، فإن الرسالة التي يحملها التضامن مع نبيلة ليست بالضرورة رفضًا للدولة أو للقانون، بل مطالبة بأن يكون القانون مصحوبًا بالحكمة، وأن تُسمع أصوات أصحاب الأرض قبل أن تتسع الفجوة بينهم وبين مؤسسات الدولة.

القضية اليوم أكبر من نبيلة، كما أن الحل أكبر من إطلاق سراحها وحده؛ إنه في استعادة الحوار والثقة، وقراءة ما يحدث في الأغوار باعتباره تعبيرًا عن مجتمع يريد أن يكون شريكًا في تقرير مصير أرضه.

حين تتحدث الأرض بهذا الزخم، على عقل الدولة أن يصغي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى