أ.د. الفاهوم يكتب : حين يصبح الإنجاز موضع شك… من يحمي الأمل في مجتمعاتنا؟

عمان بوست – بقلم الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
في كل عام، ومع الإعلان عن إنجاز علمي جديد، أو تقدم جامعة في تصنيف دولي، أو وصول باحث إلى مرتبة متقدمة في مؤشرات البحث العلمي، يتكرر مشهد يستحق التأمل. فبينما يرى بعضنا في هذه النتائج سببًا للفخر والتفاؤل، يسارع آخرون إلى التشكيك في قيمتها، أو التقليل من أهميتها، أو مقارنتها بواقع مؤسسي لا يزال يعاني من اختلالات وتحديات حقيقية. وهنا يبرز سؤال يتجاوز حدود الجامعات والباحثين: لماذا أصبح الاعتراف بالإنجاز صعبًا إلى هذا الحد، حتى عندما يكون موثقًا بالأرقام والشواهد؟
ليس من الإنصاف اختزال هذه الظاهرة في الغيرة أو الحسد، كما أنه ليس من الحكمة تبرير كل تشكيك باعتباره نقدًا موضوعيًا. فخلف بعض المواقف تاريخ طويل من الإحباط، وتجارب لم تنصف أصحابها، ووعود مؤسسية لم تتحقق، وشعور متراكم بأن الجهد لا يقود دائمًا إلى التقدير، وأن الفرص لا تتوزع بالعدالة المنشودة. وحين تتكرر هذه التجارب، قد يفقد الإنسان ثقته في المؤسسات، ثم تمتد شكوكه تدريجيًا إلى كل ما يصدر عنها، حتى لو كان إنجازًا حقيقيًا يستحق الاحترام.
لكن فهم أسباب الإحباط لا يعني التسليم بنتائجه، ولا يمنحنا مبررًا لتحويل الخيبة الشخصية أو المؤسسية إلى موقف دائم من نجاح الآخرين. فثمة فارق أخلاقي وعلمي كبير بين أن نسأل عن قيمة الإنجاز وأثره، وبين أن نبحث عن وسيلة لتجريده من قيمته قبل أن نفهمه. النقد المسؤول يبدأ بالسؤال والتحليل وينتهي بحكم يستند إلى الأدلة، أما التشكيك المسبق فيبدأ بالحكم ثم يبحث عما يؤيده.
ولنكن أكثر دقة، فإن التصنيفات الجامعية والمؤشرات البحثية ليست حقائق مطلقة، ولا تستطيع وحدها قياس جودة التعليم، أو عمق المعرفة، أو أثر الجامعة في مجتمعها. وقد تعكس بعض المؤشرات حجم النشر أكثر مما تعكس أصالته، أو تقيس الاستشهادات العلمية دون أن تكشف بالضرورة عن القيمة التطبيقية للبحوث. ولهذا فإن الاحتفاء بالتصنيف ينبغي أن يصاحبه وعي بمنهجيته وحدوده، وأن يفتح بابًا لتحسين الأداء بدل الاكتفاء بالأرقام والمراتب.
وفي المقابل، فإن وجود قصور في بعض المؤشرات لا يلغي قيمة التقدم في مؤشرات أخرى. فالجامعة التي تواجه تحديات في بنيتها التحتية أو تمويلها أو جودة بعض خدماتها قد تضم باحثين متميزين حققوا حضورًا عالميًا بجهود استثنائية. والاعتراف بإنجاز هؤلاء لا يعني تبرئة المؤسسة من مسؤولياتها، كما أن المطالبة بالإصلاح لا تستدعي إنكار نجاحاتهم.
ولعل أكثر ما يستحق التقدير أن بعض الإنجازات العلمية في جامعاتنا وُلدت في ظروف لم تكن مثالية، وبمبادرات فردية، وساعات عمل طويلة، وتعاون علمي بناه الباحثون بأنفسهم، وأحيانًا بإمكانات محدودة ودون دعم مؤسسي يتناسب مع طموحاتهم. هؤلاء لم ينتظروا اكتمال الظروف ليبدؤوا، ولم يجعلوا الصعوبات ذريعة للتوقف. ومن الظلم أن نطالبهم بتحقيق المستحيل، ثم نستكثر عليهم الاعتراف بما استطاعوا إنجازه.
ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول الإشادة بالجهود الفردية إلى إعفاء المؤسسات من واجبها. فالبطولة الفردية لا تصلح نموذجًا دائمًا لإدارة البحث العلمي. والمؤسسة الناجحة هي التي تجعل التميز ممكنًا لأكبر عدد من باحثيها، من خلال التمويل العادل، والبنية البحثية المناسبة، والشفافية في الفرص، والتقدير المستند إلى جودة العمل وأثره، بعيدًا عن العلاقات الشخصية والمجاملات.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب بيئتنا الأكاديمية ليس ضعف ترتيب جامعة أو تراجع مؤشر بحثي، بل أن يصبح الإحباط ثقافة، وأن تتحول السخرية من النجاح إلى سلوك مألوف، وأن يشعر المجتهد بأنه مضطر للدفاع عن إنجازه أكثر مما يحتاج إلى تطويره. عندها نخسر شيئًا لا تقيسه التصنيفات: الثقة بجدوى الاجتهاد، والرغبة في المبادرة، والشجاعة على المحاولة.
ولا تقل خطورة عن ذلك ثقافة الاحتفاء المبالغ فيه، حين تتحول الأرقام إلى مادة دعائية منفصلة عن الواقع، أو يُقدَّم كل تقدم محدود باعتباره تحولًا تاريخيًا. فالمبالغة تضعف مصداقية الإنجاز، وتمنح المشككين أسبابًا إضافية للاعتراض. إن احترام عقول الناس يقتضي أن نقول ما تحقق بدقة، وما لم يتحقق بشجاعة، وأن نفرق بين التقدم النسبي والتحول المؤسسي الحقيقي.
نحن بحاجة إلى نضج جماعي يسمح لنا بأن نفرح بما تحقق دون أن نتجاهل ما ينقصنا، وأن ننتقد دون تجريح، وأن نختلف دون أن نهدم ثقة الآخرين بأنفسهم. فنجاح باحث لا ينتقص من قيمة زميله، وتقدم جامعة لا يلغي إنجاز جامعة أخرى، والاعتراف بالتميز لا يتعارض مع المطالبة بالعدالة والإصلاح.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا عند كل إنجاز جديد ليس: لماذا نحتفل؟ بل: كيف نحافظ على هذا الإنجاز، وكيف نحوله إلى أثر علمي وتعليمي واقتصادي، وكيف نمنح غيرنا فرصة مماثلة أو أفضل لتحقيق النجاح؟
إن المجتمعات التي تتقدم لا تخلو من النقد أو الإحباط أو الاختلاف، لكنها تمتلك القدرة على التمييز بين ما يستحق التصحيح وما يستحق التقدير. وهي تدرك أن التفاؤل المسؤول لا يقوم على إنكار المشكلات، وإنما على الإيمان بإمكان تجاوزها، مستندًا إلى شواهد حقيقية وأعمال قابلة للقياس.
فلنختلف حول الأرقام والمنهجيات والأولويات كما نشاء، ولكن لنتفق على ألا نعاقب المجتهد لأنه نجح، وألا نبرر التقصير لأن غيره تميز، وألا نطفئ الأمل بحجة أن الواقع لم يبلغ بعد ما نطمح إليه. فالإنجاز الحقيقي يستحق الاعتراف، والقصور يستحق المعالجة، وكلاهما يحتاج إلى ضمير علمي عادل.
وحين نتعلم أن نصفق بصدق لمن يستحق، وأن نسأل بشجاعة عما يحتاج إلى إصلاح، نكون قد خطونا خطوة مهمة نحو بيئة أكاديمية أكثر عدالة ونضجًا. فالأوطان لا تتقدم بالتصفيق وحده، ولا بالتشكيك الدائم، وإنما بعقول تنصف الحقيقة، ومؤسسات تحترم الجهد، ونفوس لا ترى في نجاح الآخرين تهديدًا لها، بل دليلًا على أن النجاح لا يزال ممكنًا.



