أقلام بوستأقلام مختارة

د. الطراونة يكتب : حين يُترك العرب فرادى: سقوط اليمن قد يكون بداية سقوط التوازن الإقليمي

د. علي الطراونة

عمان بوست – بقلم د. علي الطراونة

ما يجري في اليمن اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين السعودية والحوثيين، ولا صراعًا محدودًا يمكن احتواؤه داخل الجغرافيا اليمنية؛ بل هو اختبار حقيقي لقدرة العرب على حماية أمنهم القومي، وصون مصالحهم الاستراتيجية، والدفاع عن الممرات البحرية التي تشكّل شرايين حيوية للتجارة والطاقة والاقتصاد العالمي. فالمعركة، في جوهرها، تتجاوز حدود اليمن والسعودية لتطرح سؤالًا أكثر خطورة: هل يمتلك العرب إرادة بناء منظومة تحمي أمنهم، أم سيبقون أسرى ردود الفعل وانتظار قرارات الآخرين؟

إن أخطر ما يمكن أن تؤول إليه هذه المواجهة هو اختزالها في صراع مذهبي أو تحويلها إلى حرب مفتوحة مع إيران، وكأن المنطقة لا تعرف سوى خيارين: الاستسلام للتهديدات أو الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وبين هذين الخيارين مساحة واسعة من العمل السياسي والاستراتيجي، تبدأ ببناء قوة عربية قادرة، وتطوير تعاون دفاعي حقيقي، وامتلاك إرادة مستقلة في اتخاذ القرار، بعيدًا عن الارتهان الكامل لحسابات القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تحكم سياساتها مصالحها أولًا.

فالأمم التي تترك أمنها للآخرين، لا تملك وحدها حق تقرير مستقبلها.

ولا يمكن النظر إلى إضعاف السعودية باعتباره شأنًا سعوديًا داخليًا، أو التعامل مع تهديد باب المندب باعتباره مشكلة يمنية محضة، أو اعتبار اضطراب مضيق هرمز خطرًا يخص دول الخليج وحدها. فهذه الجغرافيا مترابطة، وأمنها متداخل، وأي خلل في أحد مفاصلها قد يمتد أثره إلى بقية المنطقة. وما يُسمح بحدوثه اليوم في ساحة واحدة قد يتحول غدًا إلى سابقة تُهدد ساحات أخرى، حين تتراجع كلفة التهديد في حسابات الأطراف التي تسعى إلى توسيع نفوذها.

إن ترك دولة عربية تواجه التحديات منفردة لا يُضعفها وحدها، بل يكشف هشاشة النظام العربي بأكمله. فحين تصبح المخاطر المشتركة مسؤولية طرف واحد، وتتحول بقية الأطراف إلى مراقبين يكتفون ببيانات التضامن، فإن المشكلة لا تعود في حجم التهديد فحسب، بل في غياب القدرة الجماعية على مواجهته. والتاريخ لا يمنح وزنًا سياسيًا لمن يكتفون بوصف الأخطار، بل لمن يمتلكون الأدوات والإرادة اللازمة لاحتوائها.

ومع ذلك، فإن المطلوب ليس فتح أبواب حرب جديدة، ولا استبدال أزمة بأخرى، ولا تحويل الخلافات الإقليمية إلى صراع دائم يستنزف الشعوب والموارد. المطلوب هو ردع محسوب، وتنسيق سياسي وأمني فاعل، ودعم مسار يستعيد للدولة اليمنية مؤسساتها وسيادتها، وينهي حالة التشظي التي جعلت اليمن ساحة مفتوحة لتضارب المصالح والتدخلات. فاستقرار اليمن ليس منّة من أحد، بل ضرورة عربية وإقليمية، وأي تسوية لا تعالج جذور الأزمة ستبقي أبواب الانفجار مفتوحة.

إن التضامن الحقيقي مع السعودية لا يُقاس بعدد التصريحات ولا بحرارة المواقف المؤقتة، بل بقدرة الدول العربية على تحويل هذا التضامن إلى منظومة عمل مشتركة تحمي الجميع، وتمنع استفراد أي دولة بالتهديد، وتضع حدودًا واضحة لمحاولات فرض الوقائع بالقوة. فالمطلوب ليس اصطفافًا عاطفيًا عابرًا، وإنما مشروع استراتيجي يربط الأمن الوطني بالأمن العربي، ويجعل حماية الممرات البحرية والسيادة الوطنية مسؤولية جماعية لا شعارًا موسميًا.

إن السؤال الذي ينبغي أن يقلق العواصم العربية ليس: من سينتصر في الجولة المقبلة؟ بل: لماذا تتكرر الجولات أصلًا، ولماذا يظل العرب في موقع رد الفعل كلما اهتز ميزان القوى في منطقتهم؟

إن الانتصار الحقيقي لا يتحقق بكسب مواجهة مؤقتة، بل ببناء واقع يمنع تكرارها، واستعادة الدولة اليمنية، وترسيخ توازن إقليمي يحفظ سيادة الدول العربية ومصالح شعوبها. أما الاستمرار في معالجة كل أزمة على حدة، وبأدوات متفرقة، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمات حتى تعود بصورة أكثر تعقيدًا وكلفة.

فإما أن يدرك العرب أن أمنهم لا يتجزأ، وأن قوة أي دولة منهم ترتبط بقدرة محيطها على حمايتها، وإما أن يظلوا يواجهون المخاطر فرادى، فيما تتسع الفجوة بين حجم التحديات وضعف الاستجابة لها.

فالمشكلة ليست فقط فيمن يهدد الأمن العربي، بل في غياب منظومة عربية تجعل تهديده مكلفًا، وتحويل التضامن من كلمات تُقال عند الأزمات إلى قوة تمنع وقوعها.

تحياتي
د علي الطراونة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى