أقلام بوست

السردية تكتب: أمريكا وجه وقفا

ميسر السردية


عمان بوست – بقلم ميسر السردية
المنافسة على أشدها في انتخابات التجديد النصفي في أمريكا، حتى وصلت إلى توظيف حرب المؤخرات. ونحن نتساءل: أي الفريقين سيحسم الميدان؟ أمل في تغيير يراه بعضنا التقاطا للأنفاس، أو انتقام من حزب ليس بأفضل من منافسه، فإن كان أحدهما يصفع الوجه، فالآخر بلا شك يصفع القفا. غير أن الخلاف بين الحزبين في الشكل لا يعني خلافا في الغاية. فالسياسة الأمريكية على المسرح الدولي وفي منطقتنا تحديدا ليست وليدة ساعتها. أما نحن المتابعين والتابعين فنعيش كل حياتنا ارتجالا ومصادفة من أولها إلى آخرها، وأما هم فعندهم زبدة تفكير وتنظير أنتجتها أقطاب كلا الحزبين في فن المؤامرة وتوجيه الرياح، بحيث تجني ساحتهم السيطرة وغلال الاقتصاد ويظل غيرهم يتخبط في التشرذم والدماء.
وهنا يصح ذكر مثالين من أبرز هؤلاء الذين ما زالت أفكارهم تنبض في ردهات كل المؤسسات الأمريكية: كيسنجر وبريجنسكي، الأول من الحزب الجمهوري، والثاني من الديمقراطي، ومع ذلك التقيا على الغاية نفسها.

يذكر كيسنجر، الذي انتهج سياسة الانفراج الدولي، في مذكراته أن روكفلر، الذي تبناه في بداياته وعمل كيسنجر في حملته الانتخابية، قال: كان من الواضح أن كيسنجر يتألق في جو المؤامرات. وبالطبع، من يتقن فن المؤامرة يتقن فن المراوغة والتخطيط في السياسة. وفي السياق ذاته الذي يختصر التحليل والتعليل فيما يخص السياسة الثابتة تجاه دولنا جميعا، يقطع كيسنجر قول كل خطيب بجملة واحدة قائلا: لكن أمن إسرائيل لا يمكن أن يصان على المدى الطويل إلا إذا ارتبط بمصالح أمريكا الاستراتيجية، لا بعواطف بعض الأفراد.
وإذا كان كيسنجر قد أدى هذا الدور من موقعه، فإن بريجنسكي لا يقل عنه تنظيرا، وخاصة فيما يخدم الكانتون الإسرائيلي. وكلا الرجلين عمل في منصب مستشار الأمن القومي في عهود رئاسية مختلفة.
بريجنسكي الذي يعتبر أحد مهندسي مبدأ كارتر، ينقل عنه الباحث المصري عمرو عمار في كتابه (الإحتلال المدني) أهم أفكاره المتعلقة بتفكيك الوطن العربي، ومنها قوله:” الشرق الأوسط مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة يجمعها إطار إقليمي… وعلى هذا الأساس يمكن إعادة تشكيله في كانتونات طائفية وعرقية يجمعها إطار إقليمي (كونفدرالي)، وهذا سيسمح للكانتون الإسرائيلي أن يعيش في المنطقة”.

وقد مر على هذا الطرح أربعة عقود حين عاد بريجنسكي إلى تأكيده أواخر عام 2012 في حديثه مع مجلة فورين بوليسي، قائلا: “كنت أول من دعا إلى تفكيك النظام الإقليمي العربي وإعادة تشكيله على أسس عرقية وطائفية” .
غير أن بريجنسكي لم يكتف بالتنظير للغاية، بل شرح أيضا الوسيلة. ففي كتاب بين عصرين، الذي نشره في بداية السبعينيات، يعرض فكرة مهمة حول طريقة أمريكا في توجيه الأحداث، تحت عنوان العملية السياسية، أو ما يطلق عليه أحيانا مبادرة الحل، التي تأتي بعد تدويل الحدث. ويضرب لذلك مثلا بقصة حل الحبل الشعبية، قائلا:” أراد الشيطان مرة اختبار ابنه، فأمره بإشعال الفتنة في قرية، فذهب الصغير وعاد بعد ثانية واحدة، ولم تمض دقائق حتى كان أهل القرية يقاتل بعضهم بعضا. سأل الشيطان ابنه: ماذا فعلت؟ فقال: حللت الحبل. استفسر الأب: كيف ذلك؟ فأجاب: وجدت امرأة ربطت العجل بعيدا عن البقرة كي تحلبها، فككت الحبل، فانطلق العجل إلى أمه فأوقع وعاء الحليب ورضع ما تبقى. وعندما عادت المرأة إلى زوجها لم يصدق أنها ربطت العجل، واتهمها بالإهمال وضربها، فذهبت تستنجد بإخوتها، الذين جاؤوا وتصارعوا مع الزوج، فانتشر العراك والقتال في القرية”.
ثم يعقب قائلا: “بهذا تفهم كلمة مبادرة في العمل السياسي الأمريكي. فالمبادرة خطوة أولى تطلق عملية سياسية معينة في اتجاه معين، يدرس مطلقها العوامل والمؤثرات التي ستؤثر في حركة العملية، وإذا فشلت هذه ولم تؤت ثمارها تطلق مبادرة أخرى، وتراقب سير الأحداث وتطورها، ومن ثم يتدخل في الوقت الذي يريده ويراه مناسبا”.

وهذا تحديدا ما نسمعه في المؤتمرات و اللقاءات و الأتفاقات عن طرح أو حرق الأوراق في هذه الساحة وتلك . فالعجل حاضر دائما، والزوج لا يفكر فيمن حل الحبل، وأهل القرية يقتتلون… وبغض النظر عن نتيجة الصندوق، يبقى العجل حاضرا، والحبل بيد من يحله. وينطبق ذلك بالضرورة على ما يحدث في انتخابات الكيان. وبعد أن يصبح القوم شذر مذر فلا يعود يُعرف حاديها من مناديها ، تهبط طائرة البيت الأبيض فوق شعار “وإن من فتح الأبواب يغلقها، وإن من أشعل النيران يطفيها” ، ولكن ليس كخاتمة نزارية رومنسية.
وسواء فاز” جون أو رون” ولأنه طول عمرك يا زبيية…و لأننا لم نصبح بعد في جملة “المضاف والمضاف إليه”، يبقى الوضع على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجوء للسماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى