أقلام بوست

عثامنه يكتب : حمية الطيبات أم حمية المتناقضات؟ معركة الدفاع عن الوعي والأمن الغذائي العربي

عمان بوست – بقلم صفوان عثامنه

في الوقت الذي تخوض فيه دولنا معارك حاسمة على جبهات الوعي والتنمية والأنظمة الاقتصادية، يطل علينا من يحاولون اقتياد العقل الجمعي إلى مربعات من الجهل الممنهج والتضليل المغلف بالوصاية الطبية والشرعية، مستغلين منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت في كثير من الأحيان من فضاءات للمعرفة إلى مصانع لضخ الهلع والخوف في بيوت الناس. ولم يعد الأمر مجرد وجهات نظر أو اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ، بل تعداه ليكون هجوماً شرساً على منطق العلم، وضغظاً موجهاً يستهدف ضرب أسس الأمن الصحي والغذائي، عبر فتاوى تغذوية شاذة تشيطن ما أحل الله من الطيبات، وتحول الأطعمة التي عاشت عليها أجيال من البشر إلى خطورة وهمية، في مفارقة عجيبة تفتقر إلى أدنى قواعد الدليل والبرهان، ولهذا فإن هذا الطرح يصح تماماً أن يُطلق عليه “حمية المتناقضات”!
المعضلة الكبرى هنا ليست في غرابة هذه الأطروحات فحسب، بل في تلك المسحة الدينية والتأويلات القسرية التي يحاول مروجوها إضفاءها على آرائهم الشخصية، لاستدرار عواطف البسطاء وسلبهم ميزة التفكير النقدي، في مشهد يعيدنا كلياً إلى عقلية التوجس التي ترى المؤامرة في كل شيء. ويتجلى بؤس هذا الفكر وتناقضه الصارخ حين يسقط في فخ محاكمة الشرع والسيرة النبوية الشريفة؛ فكيف يقبل عقل عاقل أن يُمنع القمح ومشتقاته، وتُوصم سنابل البر بالسمية، بينما جعل الله هذا القمح ذاته عماد قوت الآدميين، وحصر به أحكاماً فقهية كبرى كطهارة الصائم وزكاة بدنه في “صدقة الفطر”؟ هل يطهر الله أبدان المسلمين بما يمرضها ويهلكها؟ وكيف يجرؤ هؤلاء على حظر البقوليات كالعَدس والفول، أو الفواكه كالبطيخ، وقد ثبت في صحيح السير أن مائدة النبوة الشريفة أقرّتها وأكلتها وأوصت بها؟ إنها مفارقة مضحكة مبكية، تُحرم قمح الأرض وبقولياتها التي وردت كالنعم والمنافع في القرآن، وتستبدلها بمنتجات مصانع قائمة على الزيوت والسكريات المكررة، ليكون السؤال مستفزاً بحق: أيُّ منطق هذا الذي يرى في “سنابل القمح” شراً وفي “الشوكولاتة الصناعية” نفعاً وطيباً؟!
إن ما نعيشه اليوم ليس أزمة نقص في المعلومات، بل هو إعادة إنتاج لـ “متلازمة العجل والسامري” التي عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ؛ فكما انقلب قوم موسى على كل البينات ومعجزة انفلاق البحر بمجرد غياب نبيهم بأيام معدودة، لينساقوا خلف عجل ذهبي صاغه السامري ليمنحهم وهماً محسوساً، نرى فئات اليوم تنقلب على مئات السنين من البحث العلمي، والمنجزات الطبية التي أنقذت ملايين الأرواح، لتتبع طرحاً إقصائياً يطلق هرطقات غذائية وطبية لا تختلف في جوهرها عن خوار ذلك العجل القديم! وتصل المهزلة إلى ذروتها حين يتجرأ دعاة هذا الفكر على تزوير الحقائق الأكاديمية جهاراً نهاراً أمام ملايين المتابعين؛ فيصنعون هالة وهمية حول أبحاث يزعمون أنها أُجريت في جامعات عالمية كـ “أكسفورد” لمنح حصانة مطلقة لبدعهم، ليتبين بالدليل والبرهان العارض أن الأمر لا يتعدى كونه مجرد ملخص مقتضب لورقة بحثية مشتركة في علم التخدير والعناية المركزة، نُشر في مجلة تطبعها دار نشر عالمية تملكها تلك الجامعة، ولا علاقة لمضمون الورقة من قريب أو بعيد بشطحاتهم الإقصائية. إنها خديعة التسويق بالكلمات الرنانة والمغالطات اللغوية، حيث يُستغل عدم معرفة الجمهور بالآليات الأكاديمية لتحويل ورقة طبية تبحث في كيفية تغذية مريض في غرف الإنعاش عبر الأنابيب الوريدية، إلى صك غفران علمي مضلل يبرر حظر الدجاج والبيض واللبن عن أصحاء يمشون في الأسواق!
والحقيقة الصارخة التي يهرب منها الأتباع عند مواجهتهم بالتسجيلات الكاملة دون اجتزاء، هي أنك لو استمعت للمحتوى كاملاً ستجد طرحاً يقول الشيء وعكسه حرفياً؛ فإذا أردت دليلاً يطالب بوقف الأدوية حالاً ستجد، وإن أردت آخراً يطالب بوقفها تدريجياً ستجد! وإذا أردت تسجيلاً يذم فيه البيض واللحم ويصفهما بالضرر ستجد، وفي المقابل ستجد مقاطع يمدح فيها ذات الأطعمة ويعدها من الطيبات! إننا أمام حالة من “العربدة الفكرية” التي ألغت فكرة المعيار العلمي من أساسها، حيث يجتمع الكلام العلمي مع الكفر بكل المنظومة الطبية والتحاليل والمختبرات في ذات اللسان، وتلتقي المواعظ الإيمانية مع السباب، والدعوة للتعقل مع الانفلات السلوكي؛ مما يؤكد أننا أمام حالة متاجرة واضحة بآلام البشر وأمراضهم ودينهم من أجل شركات المشاهدات الرقمية وأرباح السوشيال ميديا.
لقد تخطت هذه الظاهرة حدود الآراء الفردية، لتكشف عن وجه أكثر خطورة؛ إذ تبين أن هذه الحمية استهدفت بشكل مباشر وممنهج قطاعات زراعية واقتصادية واسعة في دولنا العربية، وألحقت أضراراً بالغة بآلاف المزارعين والمربين المحليين، مما يوضح أن الهدف الخفي وراء تشويه هذه المنتجات الوطنية هو إنهاك اقتصاديات الدول وضرب أمنها الغذائي القومي. ولعل الدليل الأكبر على التنظيم الممنهج وراء هذا الفكر هو رصد “ذباب إلكتروني” وحسابات موجهة تتحرك بآلية منظمة لمهاجمة وتشويه كل صاحب اختصاص أو كاتب ينتقد حمية المتناقضات هذه، مما ينقل المسألة من مجرد حمية غذائية اختيارية إلى حملة تشويه منظمة تستهدف ضرب الاستقرار الاقتصادي والإنتاجي لقطاعات الدواجن، والألبان، والزراعة الوطنية.
وعندما يتنطح أحد المدافعين عن حمية المتناقضات بسؤال تبسيطي: “لماذا أنتم غاضبون؟ دعونا نأكل ونؤمن بما نشاء”، فإن الرد الذي يمليه ضمير العلم وزكاة المعرفة هو: لكم أن تأكلوا ما تشاؤون في مساحاتكم الخاصة، لكننا لن نصمت ونحن نرى البسطاء وكبار السن يُغرّر بهم عبر هذه الحملات الممنهجة، ويُساقون خلف سراب وعود الشفاء حتى تدهورت حالاتهم وتركوا أدويتهم المنقذة للحياة؛ فنشر هذا المنهج وتصويره كبديل علاجي هو جريمة تهدد الأمن الصحي. أمام هذا المشهد المقلق، لم يعد مقبولاً من الجهات الرسمية ومؤسسات الدولة الرقابية والوزارات المعنية أن تقف موقف المتفرج؛ إذ إن الحفاظ على هيبة مؤسسات الدولة يتطلب “دق ناقوس الخطر” والضرب بيد من حديد على منصات التضليل العبثي وحماية المزارعين والقطاع الاقتصادي الوطني من هذه الحملات الموجهة. لغة العلم هادئة ومتزنة، وصوت الوعي والضمير لن يخفت، وحماية أمن البيوت الصحي والغذائي تتطلب تفعيلاً عاجلاً للقوانين الرادعة، ليعود للحق نصابه وتعود للخرافة عزلتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى