الدعجه يكتب : «أخطر القتلة لا تملك أسماؤهم ملفات أمنية»

عمان بوست – بقلم الكاتب والمحلل الامني د. بشير الدعجه
حين يقتل من لا نتوقعه… أخطر المجرمين لا يملكون سجلاً جرمياً
على امتداد سنوات خدمتي في جهاز الأمن العام الأردني… والتي بدأت في الميدان الأمني ثم في الإعلام الأمني حتى تشرفت بتولي موقع مدير الإعلام الأمني والناطق الإعلامي باسم جهاز الأمن العام… تابعت عن قرب آلاف القضايا والبلاغات والحوادث والجرائم التي شغلت الرأي العام الأردني… وشاركت في إدارة المشهد الإعلامي لعدد كبير من القضايا الجنائية التي هزت المجتمع وأثارت التساؤلات حول دوافع مرتكبيها وخلفياتهم.
ومن بين جميع الخبرات والدروس التي تعلمتها خلال تلك السنوات… بقيت حقيقة واحدة تفرض نفسها بقوة على كل من يعمل في المجال الأمني والتحقيقي… وهي أن أخطر الجرائم وأكثرها صدمة وغرابة ليست بالضرورة تلك التي يرتكبها أصحاب السوابق أو المجرمون المحترفون… بل تلك التي يرتكبها أشخاص لم يدخلوا في حياتهم مركزاً أمنياً… ولم تسجل بحقهم أية قيود جرمية… ويشهد لهم الجميع بحسن السيرة والسلوك والالتزام الأخلاقي والاجتماعي.
فالمجرم التقليدي غالباً ما يكون معروفاً للأجهزة الأمنية… وله نمط سلوكي إجرامي يمكن رصده أو توقعه أو مراقبته… أما الجاني الذي يعيش بين الناس مواطناً عادياً محترماً وهادئاً ومستقراً ثم يتحول فجأة إلى مرتكب لجريمة قتل أو اعتداء خطير أو جريمة أسرية مروعة… فهو التحدي الحقيقي الذي يواجه علماء الجريمة والمحققين والأجهزة الأمنية على حد سواء.
لقد شهد الأردن عبر العقود الماضية العديد من الجرائم التي كشفت التحقيقات فيها أن مرتكبيها لم يكونوا من أصحاب السوابق أو القيود الأمنية… بل كانوا موظفين أو تجاراً أو أرباب أسر أو أصحاب مهن محترمة… وكان أقرب المقربين إليهم يرفضون في البداية تصديق تورطهم في الجريمة.
وفي خبرتي المهنية الطويلة… كانت جرائم القتل تحديداً هي الأكثر إثارة للانتباه في هذا الجانب… لأن عدداً غير قليل منها لم يكن نتاج تاريخ إجرامي سابق… وإنما جاء نتيجة لحظة غضب حادة أو انهيار نفسي أو ضغوط اجتماعية واقتصادية متراكمة أو نزاعات أسرية وصلت إلى نقطة الانفجار.
كم من قضية قتل بدأت بخلاف بسيط على موقف مركبة أو قطعة أرض أو خلاف عائلي محدود… ثم انتهت بجريمة أودت بحياة إنسان وتركت أسرتين تدفعان الثمن لسنوات طويلة… وكم من جريمة أسرية وقعت داخل المنزل على يد شخص لم يتخيل أحد يوماً أنه قادر على ارتكاب فعل كهذا.
ومن منظور علم النفس الجنائي، فإن هذه الفئة من الجناة تُصنف ضمن ما يسمى “الجناة الظرفيين”… وهم أشخاص لا يمتلكون تاريخاً إجرامياً سابقاً… لكنهم يتعرضون لمزيج من الضغوط والانفعالات والأزمات التي تدفعهم إلى اتخاذ قرار كارثي في لحظة ضعف أو غضب أو يأس.
وتؤكد الدراسات الحديثة أن الإنسان لا يتحول إلى مجرم بين ليلة وضحاها… وإنما تسبقه غالباً مؤشرات نفسية واجتماعية وسلوكية قد لا يلاحظها المحيطون به… مثل العزلة المفاجئة… والاحتقان النفسي… والشعور بالظلم… والاكتئاب… والضغوط المالية الحادة… والمشكلات الأسرية المتراكمة… واضطرابات السيطرة على الغضب.
ومن خلال متابعتي لعشرات القضايا الكبرى التي تصدرت عناوين الأخبار… لاحظت أن كثيراً من مرتكبي الجرائم الخطيرة كانوا يعيشون صراعاً داخلياً صامتاً لم ينتبه إليه أحد… وكانوا يظهرون أمام المجتمع بصورة مختلفة تماماً عن واقعهم النفسي الحقيقي.
وهنا تكمن الرسالة الأهم… فالجريمة ليست دائماً نتاج بيئة إجرامية أو تاريخ إجرامي… بل قد تكون نتيجة فشل في إدارة الضغوط والأزمات والانفعالات… ولهذا فإن الوقاية من الجريمة تبدأ من الأسرة والمدرسة ومكان العمل والمؤسسات الدينية والإعلامية قبل أن تبدأ من الملاحقة الأمنية.
لقد علمتني سنوات العمل الأمني أن أخطر شخص في بعض الأحيان ليس ذلك الذي يخشاه الناس أو تراقبه الأجهزة الأمنية… بل ذلك الذي يبدو للجميع شخصاً عادياً وطبيعياً بينما يخوض في داخله معركة نفسية صامتة قد تنتهي بكارثة لا يتوقعها أحد.
ولهذا أقول دائماً… إن قراءة السجل الجرمي مهمة… لكن قراءة النفس البشرية أهم… لأن بعض الجرائم لا تخرج من عالم الجريمة… بل تخرج من قلب المعاناة الإنسانية عندما تُترك بلا علاج أو احتواء أو تدخل مبكر.
د. بشير _الدعجه



