العبادي يكتب :الجلادون…!!

عمان بوست – بقلم وسيم العبادي
هناك أناس لا يرون الشمس إلا إذا انطفأت، ولا يسمعون التصفيق إلا ليبحثوا عن نشازٍ عابر وسط سيمفونية من الإبداع.
هؤلاء هم الجلادون…
أولئك الذين يقفون على أطراف الإنجاز، ينتظرون هفوةً عابرة أو لحظة تعثر، لينصبوا المشانق لأبطال صنعوا ما عجز عنه غيرهم لعقود طويلة.
منذ أن بدأ منتخب النشامى رحلته التاريخية نحو نهائيات كأس آسيا، كان رجال الأردن يكتبون فصولاً جديدة من المجد. لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، ولم تكن الانتصارات هدايا مجانية، بل كانت حصيلة عرقٍ وتضحياتٍ وإيمانٍ لا يتزعزع بشعار الوطن.
ثم جاءت كأس آسيا…
وجاء معها أعظم إنجاز كروي في تاريخ الأردن الحديث، عندما وصل النشامى إلى المباراة النهائية، ليقف الأردن لأول مرة على أبواب الحلم الآسيوي الكبير، ويجبر القارة كلها على الوقوف احتراماً لمنتخب لم يكن يملك إلا الإرادة، فصنع بها المستحيل.
ومن خلف هذا الإنجاز وقف رجال لا يمكن اختزالهم في مباراة أو لقطة أو خطأ.
يزيد أبو ليلى…
حارس لم يكن مجرد لاعب يقف بين الخشبات الثلاث، بل كان جداراً من الثقة، وسداً منيعاً أمام أحلام المنافسين، ورمزاً للثبات في أصعب اللحظات.
وموسى التعمري…
ذلك الفتى الذي حمل أحلام الأردنيين على قدميه، وركض بها من ملعب إلى آخر، حتى أصبح اسماً يعرفه القريب والبعيد.
ويزن النعيمات…
المهاجم الذي جعل الجماهير الأردنية تؤمن أن المستحيل كلمة لا مكان لها في قاموس النشامى.
وبين هؤلاء وهؤلاء، عشرات الأبطال الذين قاتلوا بصمت، وقدموا أرواحهم وجهدهم من أجل أن يبقى علم الأردن مرفوعاً في أعلى المدرجات وأبعد المحافل.
ثم جاءت كأس العرب…
فأعاد النشامى كتابة الحكاية من جديد، ووصلوا إلى النهائي، مؤكدين أن ما حدث في آسيا لم يكن صدفة، وأن الأردن بات رقماً صعباً في معادلة الكرة العربية.
ولم يتوقف الحلم هنا…
فجاء الإنجاز الأعظم.
التأهل إلى كأس العالم 2026.
تأهل لم يكن مجرد بطاقة عبور إلى بطولة كبرى، بل كان لحظة تاريخية نقش فيها الأردن اسمه بحروف من ذهب على جدران كرة القدم العالمية.
لأول مرة، وقف العالم ليرى الأردن بين كبار المنتخبات.
لأول مرة، أصبح النشامى جزءاً من أعظم حدث كروي على وجه الأرض.
لأول مرة، تحول الحلم الذي راود أجيالاً كاملة إلى حقيقة يعيشها الأردنيون بكل فخر واعتزاز.
لكن…
وسط كل هذه الإنجازات، خرج علينا الجلادون.
أولئك الذين فقدوا القدرة على رؤية الجبال لأنهم منشغلون بعدّ حبات الرمل.
الذين نسوا سنوات التعب، وتذكروا لحظة واحدة.
ونسوا آلاف اللحظات التي أسعدت الأردنيين، وتوقفوا عند لقطة عابرة أو نتيجة مؤقتة.
نصبوا أنفسهم أوصياء على المنتخب.
ووزعوا شهادات الوطنية والانتماء.
وأصبحوا خبراء في جلد اللاعبين أكثر من كونهم مشجعين لهم.
لا يرون في يزيد أبو ليلى تاريخاً من البطولات، بل يبحثون عن كرة دخلت مرماه.
ولا يرون في موسى التعمري سفيراً للأردن في الملاعب العالمية، بل يفتشون عن تمريرة لم تصل أو فرصة لم تكتمل.
هؤلاء لا يدركون أن الرجال الكبار لا تُقاس قيمتهم بأخطاء عابرة، بل بما صنعوه للأوطان.
ولا يعلمون أن الإنجازات العظيمة لا يبنيها المعصومون من الخطأ، بل يصنعها أولئك الذين يملكون الشجاعة للنهوض بعد كل عثرة.
أيها الجلادون…
أنتم أصغر من أن تحاكموا إنجازاً بحجم النشامى.
وأصغر من أن تختصروا سنوات المجد في تسعين دقيقة.
وأصغر من أن تنالوا من رجال جعلوا اسم الأردن يتردد في قارات العالم.
فالتاريخ لا يكتبه أصحاب التعليقات الغاضبة.
ولا تصنعه منشورات التشكيك.
التاريخ يكتبه الرجال الذين ينزلون إلى الميدان، ويتحملون الضغط، ويقاتلون تحت راية الوطن.
أما أنتم…
فستبقون مجرد هامش صغير في قصة كبيرة اسمها النشامى.
وفي الختام…
إلى أبطال الأردن…
إلى يزيد أبو ليلى وموسى التعمري ويزن النعيمات وكل من ارتدى قميص الوطن وقاتل من أجله…
نقول لكم: امضوا إلى الأمام ولا تلتفتوا للخلف.
فخلفكم شعب يعرف جيداً ماذا قدمتم، ويعرف حجم التضحيات التي بذلتموها من أجل هذا العلم.
واصلوا الحلم…
واصلوا القتال…
واصلوا كتابة التاريخ.
وإن تحقق إنجاز جديد بالتأهل إلى الدور الثاني من كأس العالم فستكون صفحة أخرى من المجد الأردني الخالد.
وإن لم يتحقق، فحسبكم أنكم حققتم ما لم تحققه أجيال كثيرة قبلكم.
حسبكم أنكم أوصلتم الأردن إلى كأس العالم.
حسبكم أنكم جعلتم الأردنيين يرفعون رؤوسهم فخراً في كل مكان.
شكراً لكم…
فقد رفعتم الراية عالياً.
وشكراً لكم…
لأنكم علمتمونا أن الأحلام الكبيرة لا تُمنح، بل تُنتزع.
أما نحن…
فسنبقى درعكم حين يشتد الهجوم، وصوتكم حين يرتفع الضجيج، وسندكم في وجه كل جلاد يحاول أن يطعن في إنجازكم.
فالقبعات تُرفع لكم…
والتاريخ سيذكركم…
والأردن سيفتخر بكم إلى الأبد.




