الخطيب يكتب : الأردن… اسمٌ صنعته الدولة قبل أن تصنعه المناسبات

عمان بوست – بقلم العقيد المتقاعد محمد الخطيب
بين الحين والآخر، تظهر آراء توحي بأن العالم لم يعرف الأردن إلا من خلال حدث رياضي أو مناسبة عابرة، وكأن المكانة الدولية للدول تُبنى في أيام أو أسابيع، لا عبر عقود من العمل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي المتواصل.
والحقيقة أن اسم الأردن لم يكن يوماً طارئاً على الساحة الدولية، بل ارتبط منذ عقود بالحكمة والاعتدال والقدرة على بناء الجسور بين الشعوب والدول. فمنذ عهد المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال، أصبح الأردن رقماً صعباً في معادلات المنطقة، وحظي باحترام عالمي لم يكن قائماً على حجم الدولة أو إمكاناتها، بل على صدقية مواقفها، وحكمة قيادتها، ودورها في صناعة السلام والدفاع عن القضايا العربية.
واليوم، يواصل حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين هذه المسيرة بثبات واقتدار. فمن يتابع حركة جلالته يدرك أنه لا يكاد يمر أسبوع إلا والأردن حاضر في عاصمة مؤثرة، أو في قمة دولية، أو في لقاء مع قادة العالم، حاملاً رسالة الدولة الأردنية ومصالحها الوطنية، ومدافعاً عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومؤكداً مكانة الأردن بوصفه شريكاً موثوقاً وصوتاً عاقلاً يحظى بالاحترام في مختلف المحافل الدولية.
ولم تقتصر جهود جلالته على الجانب السياسي، بل امتدت إلى البعد الاقتصادي والاستثماري، حيث قاد بنفسه عشرات اللقاءات والزيارات التي هدفت إلى استقطاب الاستثمارات، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وفتح الأسواق أمام المنتجات الأردنية، وتسويق الأردن كوجهة آمنة للاستثمار والسياحة والأعمال. واليوم، كثير من الاتفاقيات الاقتصادية ومشروعات التعاون الدولي التي يشهدها الأردن جاءت نتيجة لهذا الحضور الملكي الفاعل والدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها جلالته.
وفي موازاة هذا الدور، برزت جلالة الملكة رانيا العبدالله نموذجاً للدبلوماسية الناعمة الأردنية، حيث لم يقتصر حضورها على قضايا التعليم وتمكين المرأة والطفولة والتنمية، بل امتد ليكون صوتاً إنسانياً مؤثراً في أبرز المنابر الدولية، مدافعاً عن قيم العدالة والسلام وحقوق الإنسان.
وقد كان لجلالتها حضور بارز في تسليط الضوء على معاناة المدنيين في مناطق النزاع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وما يتعرض له أبناء قطاع غزة، من خلال لقاءاتها الإعلامية وخطاباتها في المحافل الدولية، التي نقلت الرواية الإنسانية الأردنية والعربية إلى الرأي العام العالمي بلغة مؤثرة تستند إلى القيم الإنسانية والقانون الدولي. وأسهم هذا الحضور في تعزيز صورة الأردن بوصفه دولة تدافع عن الإنسان، وتؤمن بالحوار والسلام، وتوظف الدبلوماسية الناعمة إلى جانب الدبلوماسية السياسية في خدمة القضايا العادلة وترسيخ مكانة المملكة على الساحة الدولية.
كما يواصل سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، ترسيخ حضور جيل جديد من القيادة الأردنية، من خلال اهتمامه بالشباب، وريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي، والابتكار، إلى جانب مشاركاته الدولية التي تعكس رؤية الأردن للمستقبل، وتؤكد استمرارية النهج الهاشمي في بناء الدولة وتعزيز مكانتها.
ولم يكن هذا الحضور العالمي نتاج جهود القيادة وحدها، بل هو ثمرة عمل مؤسسي متكامل تشارك فيه وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، والسلك الدبلوماسي الأردني، الذي يمثل المملكة في مختلف أنحاء العالم بكفاءة واقتدار، وينقل رسالتها السياسية والاقتصادية والإنسانية، إلى جانب الدور المهم الذي تقوم به السفارات الأردنية في تعزيز العلاقات الثنائية وجذب الاستثمارات وتوسيع آفاق التعاون.
كما كان للقطاع الخاص الأردني دور لا يقل أهمية في ترسيخ اسم الأردن خارجياً. فقد نجحت غرف التجارة والصناعة، ومجالس الأعمال المشتركة، والشركات الوطنية، ورجال الأعمال، في بناء شراكات اقتصادية مع مختلف دول العالم، والمشاركة في المعارض والمنتديات الدولية، والترويج للمنتج الأردني، وتعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي للأعمال والخدمات والاستثمار.
ولا يمكن إغفال الدور الذي تقوم به مؤسسات الدولة المختلفة، وفي مقدمتها القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، التي رسخت صورة الأردن دولةً مستقرة وآمنة، وهو العامل الذي شكّل على الدوام أحد أهم عناصر القوة في تسويق المملكة سياسياً واقتصادياً وسياحياً واستثمارياً.
كما أسهمت المستشفيات الميدانية الأردنية، والمشاركة الفاعلة في قوات حفظ السلام، وفرق الإنقاذ والإغاثة التي أُرسلت إلى الدول المتضررة من الكوارث والأزمات، في تقديم صورة إنسانية مشرّفة عن الأردن، بوصفه دولة لا تكتفي بالدفاع عن أمنها واستقرارها، بل تمد يد العون للآخرين، وتحمل رسالتها الإنسانية إلى العالم.
أما الإنجازات الرياضية والثقافية والإنسانية، فهي بلا شك مصدر فخر لكل أردني، وتسهم في زيادة التعريف بالأردن وتعزيز حضوره عالمياً، لكنها تبقى لبنة تضاف إلى بناءٍ قائم، وليست الأساس الذي قام عليه هذا البناء.
فالدول لا تُعرف بحدث واحد، ولا يُختزل تاريخها في بطولة أو تصريح. إنها تُبنى بالتراكم، وبالقيادة الحكيمة، والدبلوماسية الرشيدة، والعمل المؤسسي، والإنجاز المتواصل.
لقد عرف العالم الأردن قبل عقود، وسيظل يعرفه لأنه دولة صنعت مكانتها بالثبات والاعتدال والمصداقية، وبقيادة هاشمية جعلت من اسم الأردن عنواناً للحكمة، وجسراً للحوار، وشريكاً يحظى بالاحترام والثقة في مختلف أنحاء العالم.



