أقلام بوست

منسي يكتب: من أزمة المهارات إلى اقتصاد المستقبل: لماذا أصبح إصلاح التعليم أولوية عالمية وإقليمية ووطنية؟

وائل منسي


عمان بوست – بقلم وائل منسي
لم يعد التحدي الذي يواجه العالم اليوم يتمثل في نقص الوظائف بقدر ما يتمثل في نقص المهارات المناسبة.
ففي ظل الثورة المتسارعة للذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والتغيرات الديموغرافية، تتبدل احتياجات سوق العمل بوتيرة غير مسبوقة، بينما تعجز كثير من أنظمة التعليم والتدريب عن مواكبة هذا التحول. والنتيجة هي اتساع فجوة المهارات، وارتفاع معدلات البطالة من جهة، وصعوبة حصول الشركات على الكفاءات التي تحتاجها من جهة أخرى، بما يهدد الإنتاجية والنمو الاقتصادي والقدرة التنافسية للدول.
ولا يمكن معالجة هذه الفجوة إلا من خلال إعادة بناء منظومة تنمية المهارات على أسس جديدة، تقوم على التعلم المستمر، والمهارات الرقمية، والتفكير النقدي، والإبداع، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، وإشراك القطاع الخاص بوصفه شريكاً رئيسياً في تصميم البرامج التعليمية والتدريبية، لا مجرد مستفيد من مخرجاتها.
أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتزداد التحديات تعقيداً نتيجة عوامل هيكلية تراكمت على مدى سنوات، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وضعف الاستثمار في التدريب المهني والتقني، واستمرار الاعتماد على مناهج تركز على المعرفة النظرية أكثر من المهارات التطبيقية.

كما يفرض الذكاء الاصطناعي تحدياً إضافياً يتمثل في تراجع الطلب على كثير من الوظائف التقليدية، مقابل تزايد الحاجة إلى كفاءات تمتلك مهارات رقمية متقدمة وقدرة على التعلم والتكيف المستمر.
وتتطلب مواجهة هذه التحولات إصلاحات عميقة تتجاوز تحديث المناهج إلى بناء منظومة متكاملة للتعلم مدى الحياة، وتعزيز الشراكات بين الجامعات ومؤسسات التدريب والقطاع الخاص، وتوسيع برامج التدريب أثناء العمل، وتحفيز الاستثمار في رأس المال البشري، بما يضمن إعداد أجيال قادرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.

وفي الأردن، تتجسد هذه التحديات بصورة واضحة، حيث يواجه كثير من الخريجين صعوبة في الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، في ظل محدودية التدريب العملي، وضعف الارتباط بين البرامج الأكاديمية واحتياجات القطاعات الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات.
وفي المقابل، تبحث العديد من الشركات عن مهارات متخصصة يصعب العثور عليها، مما يعكس اختلالاً واضحاً بين العرض والطلب في سوق العمل.
ويمتلك الأردن في المقابل فرصاً واعدة إذا ما تم الاستثمار بصورة استراتيجية في رأس المال البشري، من خلال تحديث المناهج، وتعزيز التعليم التقني والمهني، ودمج مهارات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وريادة الأعمال في مختلف التخصصات، وتوسيع برامج التدريب العملي، وتحفيز الشركات على الاستثمار في تطوير موظفيها، إلى جانب بناء منظومة وطنية للتعلم المستمر وإعادة التأهيل المهني.
إن بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية لم يعد يعتمد على وفرة الموارد الطبيعية، بل على جودة الإنسان وقدرته على التعلم والابتكار والتكيف مع المتغيرات.
ومن هنا، فإن الشراكة الحقيقية بين الحكومة، والقطاع الخاص، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، تمثل حجر الأساس لبناء منظومة مهارات حديثة تستجيب لمتطلبات المستقبل.
فالمستقبل لن يكون من نصيب الدول التي تمنح أكبر عدد من الشهادات، بل للدول التي تنجح في بناء رأس مال بشري يمتلك المهارات والمعرفة والمرونة اللازمة لقيادة اقتصاد المعرفة، وتحويل تحديات اليوم إلى فرص للنمو والازدهار والتنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى