أقلام بوست

المجالي يكتب: لا سيف يعلو على السيف الشركسي

عمان بوست – بقلم عبدالهادي راجي المجالي

قبل أكثر من (20) عاماً، كنت أذهب إلى إحسان رمزي المدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، إحسان رمزي لم يكن يعلمنا اللغة العربية وأصول الكتابة فقط، كان يعلمنا الأخلاق أيضاً.. كان يعلمنا كيف نقرأ الرواية، وكيف نقرأ القصيدة، إحسان هو الرجل الوحيد الذي مر على الإعلام، وكان صادقاً في كل شيء إلا صحته، لم يكن يخبرنا أنه متعب خوفاً من أن نغادر منزله، ونتركه مع الليل وحيداً.. إحسان كان تعبيراً واقعياً عن صدق الأمة الشركسية وتفردها.

وحين مرّ العمر تعرفت على صديقي (ابو العبد / مؤنس ألخص) أو كما يحب البعض أن يناديه عارف ألخص، كنا نمضي ليالي الصيف في عمان معاً، وأبو العبد هو الرجل الشرس الذي مزج تفاصيل وجهه الحادة بالحب والصدق، كان من أكرم وأنبل من عرفت، لم يحب الصحافة ولم يحب السياسة لكنه أحبني، واختارني سائقه الخاص في ليالي عمان، فحين نعود من مطعمنا، كنت أنا من يحمله على أكف الحب إلى منزله، هكذا كان يمازحني في الليل ويهمس لي حين نضع عبدالوهاب (هان الود عليه).. كان يصر أن أطوف في السيارة ولا أصل المنزل حتى تنتهي الأغنية.

حين أصيب أبو العبد – شافاه الله – بالمرض استطعنا أنا وزهير أبو سيدو – شافاه الله أيضاً- أن نقنعنه بالعلاج في مركز الحسين، وقد اقتنع واصطحبناه في سيارتي، يومها كنت أمازح زهير قائلاً: (السرطان هو الذي يجب أن يخاف من أبو العبد وليس العكس).

مؤنس ألخص هو الرجل الذي صنع من ورد وصخر، ومن ذكريات وعشق.. هو الشركسي الذي لوى الزمان على يده، وقاوم كل الحزن وكل اليأس وأصر على الحياة.

وأكثر من أبكاني في أزمات الكورونا (حسين توقه)، كان أكبرنا سناً ولكنه جعلنا نشعر جميعاً في جلساتنا بأنه الأكثر شباباً فينا، والأكثر قوة وحيوية.. وكان الأوسم بلا منازع.

أنا لا أتخيل الأردن بدون (شركس)، هم أشبه بالإطار للصورة أو بالإطار للهوية، مهما كانت اللوحة ثمينة وغالية ومتقنة، تبقى ناقصة إن لم يكن إطارها جميلاً، الإطار هو من يعطيها البريق، حتى لو لم تكن اللوحة متقنة يتم التغاضي عن ذلك بمنحها إطاراً ذهبياً، يلطف من ذبول اللون فيها أو غياب التفاصل.

هكذا هم الشركس كانوا الإطار الذي يحمي صورة الدولة ويزينها، والإطار أو (البرواز) كما هو معروف لدى معظم من يعملون بالفن، أنه يحافظ على تماسك اللوحة، ويمنع التشققات فيها، ويمنع القماش من أن ينثني…وهو (يشد) اللوحة جيدا، بحيث لايسمح للون بأن يبهت أو يتشقق.

إذا وضعت (بروازاً) متقناً لأي لوحة، فهذا يغنيك عن ترميمها مستقبلاً.

الشراكسة الأردنيون.. حموا الهوية وكانوا المكمل لها، بنوا مداميك الجيش الأولى، أسسوا سلاح الجو الملكي، انخرطوا في التشريفات والمخابرات والأمن، قدموا الشهيد تلو الشهيد، والأهم من كل ذلك أنهم احتفظوا باللغة والتراث الشركسي وكانوا حماة الدين باقتدار كلي لا متناهي.

لا سيف يعلو على سيف شركسي في معركة، ولا بريق عيونهم يجرؤ الزمن أو الطغاة، أو بعض الحاقدين أن يسرقه.. هم نار الأردن على كل معتد وهم أهل البلد، وأعلى شوامخ التاريخ وأحلى البنادق.

أتابع السوشيال ميديا مؤخراً، وأعرف أن بعض الأصوات تتسلل من هنا وهناك، بعضها يقلب في تفاصيل المجتمع ومكوناته، وبعضها يغمز من كره وحقد دفين… وأنا هنا لا أدافع عن مكون في المجتمع بل أدافع عن دمي، هل يجوز لأحد أن يقسم الدم كأن يقول: دم الدماغ ودم الأطراف.. هذا جنون، فأنا من عشيرة أنبل نجومها من أمهات شركسيات، هل تتذكرون اللواء الركن عاطف المجالي – رحمه الله – غادر الدنيا والعيون الشركسية والدم الشركسي ما زال في ذكراه تاريخاً من الفداء والنبل.

كنت دائما أقول إن تاريخ الشركس من رأس العين وحتى أصغر ضابط في القوات الخاصة، يجب أن يدرس في مناهجنا، فهم أمة دفعت الدم أضعافاً مضاعفة لأجل الدين، وهم شعب حمل الأردن على كتفيه وسار به… وهم شمس الدين سامي المتنور الأول والمحامي الأول في عمان، وصاحب أعلى صوت رافض للمعاهدة البريطانية الأردنية، ومؤسس مداميك المعارضة الوطنية مع حسين الطراونة.

وهم إحسان وتحسين شردم، وهم الدكتور محمد خير مامسر، مظهر السعيد… هم إطار الهوية والدولة، وحماة التاريخ والعرش والتراب.

ولا سيف يعلو على سيف شركسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى