الملكاوي يكتب : أيلول الأسود … لقد حَصْحَصَ الحق!!!؟؟؟

عمان بوست – بقلم المستشار محمد صالح الملكاوي
يكفي إساءة للأردن … ويكفي إساءة لفلسطين.
وأرفض أن يُساء للقوات المُسلّحة الأردنية (الجيش العربي)، والأجهزة الأمنية.
ولتصمت كل الألسنة التي تتحدث بغباء، أو جهل، أو عدم معرفة عن أيلول، سواءً كان أيلول أسود أو أيلول أبيض.
فأيلول عام 1970 لم يكن حرباً بين أشقاء … ولا بين سلاحٍ أردني وسلاحٍٍ فلسطيني … لأنه كان غير ذلك … فلقد كان أيلول مؤامرة على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، مثلما كان مؤامرة على الأردن نظاماً ودولة وشعباً.
فالجندي ورجل الأمن الأردني، والفدائي الفلسطيني، والسلاح الأردني والسلاح الفلسيطني الذي توحّد، بالأخوّة، والدم، والكرامة، والمصير المُشترك في معركة الكرامة عام 1968، وخرج منتصراً على الجيش الإسرائيلي، لن يقف ضد بعضه البعض بعد حوالي السنتين، أي في عام 1970 … إلا إذا كان هُناك شياطين من الإنس يديرون المشهد بخبث من وراء الكواليس.
وأنا على يقين كمُحلل ومستشار عايش تلك المرحلة، (وكاد أن يُقتل بكلاشنكوف فدائي فلسطيني في الزرقاء)، بأن ما جرى في أيلول 1970 كان مؤامرة إقليمية مُحكمة ضد الملك الحسين أولاً، ولإضعاف الأردن ثانياً، والمُتاجرة بالقضية الفلسطينية ثالثاً، هندسها خمسة من القادة العرب، الذين أصابهم الرُعب من بزوغ شمس قيادة أردنية هاشمية شابة وحكيمة، كانت تعمل لأجل فلسطين بصدقٍ ونقاء وصفاء.
لهذا سأكشف في مقالتي جزءاً من خبايا تلك المرحلة، وأزيح فيها الستار عن الوجه الحقيقي لزعماء عرب مزقوا القضية الفلسطينية، خدمة لعروشهم وأنظمتهم وكراسيهم، وأرادوا ذبح القضية الفلسطينية على الأرض الأردنية، وفي ذات الوقت أوقعوا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (أبو عمّار) وقادة الفصائل الفلسطينية في شَرَكٍ تاريخي عام 1970، لم يستفيق منه عرفات تحديداً إلا متأخراً في عام 1992 (وسأدلل على ذلك لاحقاً) … لهذا أرجو منكم عدم إطلاق أحكامٍ مُسبقة عليّ قبل الانتهاء من قراءة مقالتي.
• المحور الأول: معركة الكرامة … المحطة الأولى التي لم أرعبت خمسة قادة عربٍ من الملك الحُسين
في آذار من عام 1968، أي بعد أقل من عام على هزيمة حزيران المُرّة عام 1967، التي انكسرت فيها الجيوش العربية الكلاسيكية في مصر وسوريا والأردن، قاد الملك الحسين بن طلال (الملك الشاب) الذي لم يكن يتجاوز من العمر حينذاك أربعة وثلاثين عاماً جيشه الأردني، ليصنع مُعجزة العصر الحديث في معركة الكرامة، التي هزّت عروش خمسة أنظمة عربية، مثلما هزّت أركان الجيش الإسرائيلي وقادته السياسيين والعسكريين، بكل سلاحه المُتطوِّر حينذاك، مقارنة مع أسلحة الجيش الأردني المتواضعة.
حينذاك في معركة الكرامة، توحّد وامتزج الدم الأردني بالدم الفلسطيني في خندق واحد في الكرامة، وهزم الجيش الأردني، ومعه الفدائيين الفلسطينيين، جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي كان يُقال عنه حينها بأنه جيش لا يُقهر، وصنعوا الكرامة في معركة الكرامة.
هذا النصر المُزلزِل الذي تحقق بعد 15 ساعة حرب وصمود في الكرامة، صنع هالة قيادية غير مسبوقة للملك الحسين، وجعله أول زعيم عربي يُمرِّغ أنف الجيش الإسرائيلي بالتُراب، وجعل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي كان يبلغ من العمر حينذاك 39 عاماً، هو أقرب حليف للملك الحُسين، لأن رابطة الدماء والسلاح في الحروب والمعارك، هي أقوى الروابط بين القادة العسكريين والجنود على مرّ التاريخ.
وهنا بدأت عُقدة خمسة زعماء عرب تتشكّل حينذاك، وهم: (الرئيس المصري جمال عبدالناصر، والرئيس السوري نور الدين الأتاسي، والرئيس العراقي أحمد حسن البكر، والرئيس السوداني جفعر النميري، والرئيس الليبي مُعمّر القذافي)، والذين بدأوا بالتخطيط للتخلّص من الملك الحُسين ونظامه في الأردن، وإبعاد الرئيس ياسر عرفات عن الملك الحُسين، وضرب الأردنيين مع الفلسطينيين في هرب أهلية، تعتمد على فوضى السلاح الفلسطيني الذي كان بأيدي المنظمات والفصائل الفلسطينية حينذاك.
وتنفيذاً لذلك الرئيس السوري نور الدين الأتاسي جيشه في 25 أيلول 1970 واحتل مناطق شاسعة من شمال الأردن، بدلاً من أن يُرسل جيشه لتحرير الجولان السوري الذي تم احتلاله في عهده عام 1967، فيما كانت القوات العراقية تربض مُسبقاً في بعض مناطق شمال وشرق الأردن، بسبب حرب حزيران 1967، كما حاول الرئيس السوري والرئيس الليبي اغتيال الملك الحُسين عدة مرّات، للتخلّص منه، لكن إرادة الله كانت أقوى، فباءت كُلّ محاولاتهم بالفشل.
ولتوثيق السردية الأردنية من باب الجندية، فإن القوات العسكرية السورية لم تخرج ذليلة ومنهزمة من الأراضي الأردنية، إلا بواسطة صواريخ طائرات سلاح الجو الملكي الأردني، وقذائف الدبابات والمدفعية، وأسلحة الجيش الأردني، لهذا مُني الجيش السوري بخسائر كبيرة، ولم تتوقف نيران الجيش الأردني، إلا بعد خروج آخر جندي سوري من على الأرض الأردنية.
وهناك محطة لن أقوم بذِكرها في هذا المقال، لأن أعداء الأردن في تلك المرحلة، أرسلوا رسالة قوية للرئيس السوري الأتاسي ووزير دفاعه حينذاك اللواء حافظ الأسد، بأنهم لن يسمحوا لسوريا باحتلال مناطق من شمال الأردن، وتغيير خارطة المنطقة، وهنا استغل حافظ الأسد، الموقف لصالحة وانقلب على الرئيس نور الدين الأتاسي وأطاح به، بعد أقل من شهر على دخول القوات السورية للأراضي الأردنية، وتسلّم مقاليد الحُكم في سوريا، بموافقة (إسرائيلية – أمريكية) ضمنية وغير مباشرة.
المحور الثاني: ياسر عرفات (أبو عمّار) … في مصيدة الزعماء الخمسة
إن هؤلاء الزعماء الخمسة اعتقدوا بفطرة الديكتاتوريين، بأن توحّد الدم الأردني والدم الفلسطيني والانتصار في معركة الكرامة، يعني من وجهة نظرهم، سحب البساط من تحت أرجلهم، لأنهم كانوا يخشون بأن حِكمة الملك الحُسين ستساعد الفلسطينيين على إيجاد حلِّ حقيقي للقضية الفلسطينية، بعيداً عن الشعارات المزيفة والكاذبة، وسيقود بشكل أسرع إلى إقامة دولة فلسطينية مُبكراً، (مساحتها أضعاف أضعاف ما يُطالب به الفلسطينيون حالياً)، وبهذا سيُسقِط الملك الحسين أوراق التوت عن هذه القيادات الدكتاتورية وشعاراتها القومية والعروبية والوحدوية الرنانة. لهذا دبّروا بليل حالك الظُلمة، أمراً واحداً: يجب إجهاض أي توافق أردني فلسطيني، أساسه معركة الكرامة، ويجب كسر ظهر الملك الحسين من داخل الأردن، ويجب استخدام ياسر عرفات والفصائل الفلسطينية لهدم أركان النظام الأردني، ونقل فوضى منطقة الشرق الأوسط إلى الأردن، حسب مخططاتهم.
وبكل أسف انطلت على الرئيس ياسر عرفات حينذاك خدعة الدكتاتوريين الخمسة، ونسي أو تناسى أو غابت عن ذهنة ومخيلته انتصار الجندي الأردني والفدائي الفلسطيني في معركة الكرامة، وأصبح يعتقد (أبو عمّار) بأن عدوّه الوحيد هو الملك الحُسين، وليس الكيان الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين والمسجد الأقصى، مثلما غابت عن ثوريته أيضاً، أنه ليس إكثر من أداةٍ بأيدي ديكتاتوريين، لا يُهمهم من فلسطين، سوء الشعارات والمواقف التي لا قيمة لها. وأقولها بمرارة، بأن “أبو عمّار” انصاع للزعماء الخمسة، ووافق فوراً على أن يكون عوناً لهم، دون أن يسأل نفسه سؤالاً واحداً: لماذا أقف في أيلول عام 1970 ضد الملك الحسين رفيق السلاح في معركة الكرامة في آذار عام 1968!!!؟؟؟
وكلّ ما جرى في أيلول 1970 كانت قد ترجمة القيادات والفصائل الفلسطينية، خدمة لأجندات جمال عبدالناصر والأتاسي والبكر والنميري والقذافي وليس ترجمة وخدمة لأجندة فلسطين.
• المحور الثالث: عندما تنفّس الملك الحُسين الصعداء بخروج “أبو عمار” من الأردن
ولأن التاريخ يكتبه الشُجعان، تتجلّى عظمة الملك الحسين في تلك اللحظة المفصلية من أيلول 1970، حين وصلت إلى مكتبه معلومات استخبارية دقيقة أدلى بها مدير المخابرات العامة المرحوم نذير رشيد، تؤكد أن شخصاً مُتنكراً يغادر عمان ضمن وفد “لجنة الزعماء العرب” عبر مطار عمان المدني، وهو بلا شك ياسر عرفات.
كان بإمكان قوات الخاصة العسكرية الأردنية اعتقاله في ثوانٍ معدودة، وما من شكٍ فإن ياسر عرفات كان يعتقد بأن نظام الملك الحُسين هو نظام دموي، وكان يرتجف رعباً متوقعاً الموت أو الاعتقال في أي لحظة، لكن حِنكة الملك الحسين تُدرك أبعاد ذلك المشهد؛ فأصدر الحُسين أمره الصارم بالتغاضي عنه وتركِه يُغادر. وأنا شخصياً على يقين بأن الملك الحُسين تنفّس الصعداء بعدما غادر “أبو عمّار” الأراضي الأردنية، لأن خروجه وتركِه لرفاقه وفصائله تواجه مصيرها وحدها في حرب الشوارع والأزقة الأردنية هو “نصر معنوي وإداري أردني”، أكبر بكثير من اعتقاله. خاصة وأن القائد الواثق برسالته وقضيته لا يغادر ساحة المعركة في وقت اشتداد المعركة كتب الهزيمة لرفاقة وفصائله، ولا يترك أي جندي خلفه في المعركة.
• المحور الرابع: من رصاص أيلول إلى غرفة العمليات في مدينة الحسين الطبية
ثماني سنوات كاملة من القطيعة السوداء ظلت سائدةً بين الحسين وعرفات، حتى جاء عام 1978 ليتم لقاء باهت برعاية الرئيس معمّر القذافي في مدينة المفرق، ورغم أن الملك الحسين لم يثق أبداً بالقذافي – الذي حاول اغتيال الحسين منتصف السبعينيات بصاروخ مضاد للدروع هُرّب عبر الجبهة الشعبية وأحبطته المخابرات الأردنية ببراعة حينذاك – إلا أن القدر كان يحيك دراما أخرى، لتؤكد للرئيس عرفات معادن الرجال الحقيقية، ومعادن القادة العِظام.
لم يُدرك ياسر عرفات من هو حليفه الحقيقي إلا في عام 1992، حين تعرّض لحادثة طائرة مروعة في الصحراء الليبية، وأصيب بإصابات بالغة في الدماغ، تطلبت تدخلاً جراحياً مُعقداً. حينها، لم يأتمن عرفات على دماغه وعقله وجسده وروحه وحياته، إلا الذي كان يعتقد أنه عدوه القديم في أيلول 1970؛ وهو الملك الحسينز كما لم يجد عرفات ما يحميه بعد أن سقطت الطائرة في الصحراء الليبية من الوحوش والضواري (قبل أن تصله فِرق الإنقاذ)، سوى مسدسٍ كان قد أهداه له الملك الحُسين.
وافق الملك الحسين بلا تردد رغم خطورة الوضع الصحي لياسر عرفات، وأُجريت العملية الكبرى لياسر عرفات في مدينة الحسين الطبية العسكرية، بإشراف كامل ومباشر ودائم من الملك. وتخيلوا معي أن القائد الذي خرج من الأردن بين وفد الزعماء العرب في أيلول عام 1970، جسده مُسجّى أشبه بالميت بسبب المُخدِر على سرير غرفة العمليات عام 1992 في الأردن، والذي يراقبه من على بُعد ليطمئن على حياته وصحته الملك الحُسين.
لا بل هناك ما هو أعمق من ذلك كثير، فهناك درسٌ أردنيٌ في الوفاء: فالجنود الأردنيون الذين قاتلتهم الفصائل والمجموعات الفلسطينية في أيلول 1970 بزعامة أبو عمّار والقادة الفلسطينيين، هم نفس الجنود من أطباء وممرضين وطواقم طبية وحرس، الذين جاهدوا لإنقاذ حياة عرفات في غرفة العمليات بعد اثنين وثلاثين عاماً من أيلول 1970!!!؟؟؟
• المحور الخامس / الخاتمة:
قبل أن يُغادر ياسر عرفات إلى فرنسا في رحلة العلاج الأخيرة، أحضرته مروحية عسكرية أردنية بأمرٍ من جلالة الملك عبدالله الثاني، وودع أبو عمّار عمّان في تشرين الأول عام 2004، وهي آخر عاصمة عربية شاهدها وودعها قبل أن ينتقل إلى رحمة الله، وهذا أكبر تأكيد بأن عمّان هي عاصمة السلام والأمن والمحبة للفلسطينيين، مثلما هي عاصمة الأمن والسلام والمحبة للأشقاء السوريين والعراقيين واللبنانيين واليمنيين والسودانيين وغيرهم.
وأؤكد لكم بأن أحداث أيلول الأسود، لم تكن حرباً أردنية – فلسطينية، ولم تكن صراعاً من جانب الجيش الأردني والأجهزة الأمنية الأردنية، ضد المنظمات والفصائل الفلسطينية، بل كانت حرباً بالوكالة شنّتها أنظمة ديكتاتورية عربية ضد نظام الملك الحُسين، وضد الأردن، مثلما كانت ضد المنظمات الفلسطينية وضد القضية الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، وليس خدمةً لفلسطين.
فأوقفوا الحديث عن أيلول … إن كان أسود أو أبيض أو حتى برتقالي، لأن ما جرى انتهى إلى غير رجعة، ولا نريد أن نُحاكِم الأمس في محاكم اليوم، فيكفينا أننا في الأردن، لا زلنا نُحاكَم على ما فعله معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، في زمن لم يكن زمننا.


