المباراة التي لم تُكتب.. كيف كان يمكن لميسي ورونالدو أن يودّعا معًا؟
عمان بوست – ماذا لو كانت هناك مباراة واحدة فقط قادرة على جمع كل شيء؟
ميسي ورونالدو في الملعب نفسه، لكن هذه المرة ليس من أجل الفوز على الآخر، ولا لإضافة فصل جديد إلى أعظم منافسة فردية عرفتها كرة القدم الحديثة، بل من أجل شيء مختلف تمامًا.. الوداع.
كان يمكن للسيناريو أن يبدو مثاليًا: الأرجنتين في مواجهة البرتغال، ليونيل ميسي في الطرف، وكريستيانو رونالدو في الطرف الآخر، وبينهما 20 عامًا من المنافسة والجوائز والنهائيات والأهداف، وفي نهاية المباراة يطوي الاثنان صفحة المنتخب الوطني في ليلة واحدة.
لكن كرة القدم، كعادتها، اختارت قصة أخرى.
ميسي أنهى بالفعل مسيرته الدولية، وخاض الثلاثاء مباراته الأخيرة مع الأرجنتين أمام بنين، في ليلة وداع عاطفية على ملعب مونومنتال انتهت بفوز بلاده 3-0، سجل خلالها هدفًا وصنع هدفين أمام أكثر من 85 ألف مشجع.
أما رونالدو، فما تزال حكايته مع البرتغال مفتوحة، وإن كانت قد دخلت منعطفًا شديد الحساسية بعد مغادرته معسكر المنتخب على خلفية خلافه مع المدرب جورجي جيسوس. وحتى الآن، لا يزال الباب مفتوحًا أمام عودته، بحسب تصريحات المدرب والاتحاد البرتغالي لكرة القدم.
وهنا يبدأ السيناريو الذي لم يحدث.

ميسي ورونالدو.. خصومة امتدت أكثر من ملعب
ظهرا في قلب المشهد الكروي العالمي بعد سنوات قليلة من بداية الألفية، وسرعان ما تحولت المقارنة بينهما إلى قصة عالمية تجاوزت حدود الأندية والمنتخبات.
تسع سنوات كاملة في الدوري الإسباني وضعت الرجلين وجها لوجه؛ رونالدو بقميص ريال مدريد، وميسي بقميص برشلونة، في واحدة من أكثر حقب المنافسة اشتعالًا في تاريخ كرة القدم.
ثم جاءت الجوائز الفردية لتمنح الصراع أرقامًا إضافية؛ فميسي حصد الكرة الذهبية 8 مرات، مقابل 5 مرات لرونالدو، بينما واصل كل منهما مطاردة الآخر في الأهداف والأرقام القياسية والإنجازات.
وعندما غادرا إسبانيا، بدا أن المواجهة الكبرى قد انتهت.
لكنها لم تنتهِ.
رونالدو اتجه إلى إيطاليا ثم السعودية، وميسي إلى فرنسا ثم الولايات المتحدة، وكأن الطريقين ابتعدا عن بعضهما على مستوى الأندية، فيما بقيت المقارنة قائمة في كل مكان.
أما مع المنتخبين، فقد احتاج كل منهما إلى سنوات طويلة حتى يحول الإرث الفردي إلى مجد جماعي.
رونالدو كسر عقدة الألقاب الدولية مع البرتغال بالفوز ببطولة أوروبا 2016، ثم أضاف دوري الأمم الأوروبية 2019 و2025. في المقابل، وجد ميسي طريقه أخيرًا إلى المجد مع الأرجنتين، فتوج بكوبا أميركا 2021، ثم كأس العالم 2022، والفيناليسما 2022، قبل أن يرفع كوبا أميركا مرة أخرى عام 2024.
وكانت ليلة قطر هي نقطة التحول الأبرز في قصة ميسي مع الأرجنتين، بعدما قاد بلاده إلى لقبها العالمي الثالث، منهياً انتظارًا استمر 36 عامًا.
المونديال الأخير.. وكانت هناك فرصة
كان كأس العالم 2026 يحمل، على الأرجح، عنوان الفصل الأخير للاثنين على أكبر مسرح كروي.
وفي ظل تقارب نهاية مسيرتيهما الدوليتين، بدأ الخيال يطرح سؤالًا بسيطًا ومغرٍ: لماذا لا تكون النهاية في مباراة واحدة؟
الأرجنتين والبرتغال.
ميسي ورونالدو.
القائدان اللذان أمضيا سنوات في مطاردة بعضهما البعض، يلتقيان في النهاية من دون خصومة شخصية، وإنما في آخر مشهد يجمعهما بقميصي بلديهما.
كان ذلك سيمنح كرة القدم نهاية سينمائية لا تحتاج إلى سيناريو.
لكن تفصيلًا واحدًا كان كافيًا لإفساد الحكاية قبل أن تبدأ.

ميسي قال كلمته.. ورونالدو بقي على الباب
ميسي حسم قراره واعتزل دوليًا في آب، قبل أن يعود بطلب من المدرب ليونيل سكالوني لخوض مباراة وداع أمام جماهيره في بوينس آيرس.
وكان سكالوني قد أكد أنه بذل جهودًا كبيرة لإقناع ميسي بخوض هذه المباراة، معتبرًا أن اللحظة المناسبة لتكريمه هي الآن، قبل أن تفقد المناسبة شيئًا من سحرها.
وهكذا جاءت النهاية التي أرادتها الأرجنتين.
أما رونالدو، فلم تُكتب له حتى الآن خاتمة مماثلة.
صحيح أنه غادر معسكر البرتغال في خضم الخلاف مع جورجي جيسوس، لكن المدرب نفسه أكد أن قرار العودة يبقى بيد اللاعب، بينما شدد رئيس الاتحاد البرتغالي على أن رونالدو لا يزال جزءًا من خطط المنتخب.
وهنا تحديدًا تبدو المفارقة.
أحدهما حصل على ليلة وداع.. والآخر ما زال ينتظر معرفة شكل الفصل الأخير.
«جورجي جيسوس».. العقدة التي غيّرت السيناريو
كان من الممكن نظريًا أن ينتهي الأمر بطريقة مختلفة.
رونالدو كان سيخوض آخر مباراة له مع البرتغال، وميسي آخر مباراة له مع الأرجنتين، ثم تأتي القرعة أو جدول المباريات أو مباراة ودية استثنائية لتجمع المنتخبين.
لكن الأزمة الأخيرة مع جورجي جيسوس نقلت القصة إلى مكان آخر.
غادر رونالدو معسكر البرتغال، بينما واصلت بلاده مشوارها في دوري الأمم الأوروبية ونجحت في حجز مكانها في ربع النهائي من دون قائدها التاريخي. وفي الوقت نفسه، أكد جيسوس أن الباب لم يُغلق، وأن رونالدو هو من سيقرر كيف ومتى يريد إنهاء مشواره الدولي.
وهكذا، بدل أن يكون السؤال: متى ستكون ليلة رونالدو الأخيرة؟
أصبح السؤال: هل ستكون هناك ليلة أخيرة أصلًا بالشكل الذي يليق به؟
حتى المباراة الحلم كانت تحتاج معجزة
وحتى لو افترضنا أن النجمين قررا اعتزال المنتخبين في التوقيت نفسه، فإن الوصول إلى مباراة تجمع الأرجنتين والبرتغال لم يكن أمرًا بسيطًا.
الروزنامة الدولية لا ترحم، والارتباطات الرسمية تجعل إقامة مواجهة إضافية بين المنتخبين أمرًا بالغ الصعوبة.
ثم هناك سؤال المكان.
هل تُقام المباراة في بوينس آيرس؟ عندها سيكون ميسي في أرضه ورونالدو ضيفًا.
أم في لشبونة؟ فيصبح المشهد معكوسًا.
أم على ملعب محايد، مثل ويمبلي أو أحد الملاعب الإسبانية التي شهدت الجزء الأعظم من صراعهما؟ عندها يخرج الاثنان من المشهد الأخير من دون أن يودعا جماهيرهما في أرض الوطن.
لهذا بدت الفكرة مثالية أكثر مما ينبغي.
نهاية ميسي كشفت الفارق
الأغرب أن كرة القدم قدمت بالفعل لميسي ما كان يمكن أن يكون نهاية مشتركة.
جماهير مكتظة.
ملعب يحمل ذاكرة النجم.
قميص الأرجنتين.
هدف.
تمريران حاسمان.
وتصفيق طويل لنجم قضى 21 عامًا وهو يحمل ألوان بلاده.
أما رونالدو، فما يزال واقفًا عند الباب، بين خلاف لم يُغلق تمامًا ورغبة في أن تكون كلمته الأخيرة مختلفة عن مشهد مغادرته الأخيرة لمعسكر المنتخب.
لو حدثت.. لكانت ليلة خارج الزمن
ربما لا يهم في النهاية من كان سيسجل، ومن كان سيفوز، ومن كان سيرفع الكأس.
كان يكفي أن يقف ميسي ورونالدو في الملعب نفسه، بعد كل تلك السنوات، وأن يعرف الجميع أن الصافرة الأخيرة ستعلن نهاية قصة عمرها أكثر من عقدين.
لكن المباراة التي كان يمكن أن تكون أجمل خاتمة للمنافسة لم تُكتب.
ميسي قال وداعه.
ورونالدو لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
ولهذا، ربما تكون أغرب مفارقات أعظم منافسة في القرن الحالي أن الرجلين اللذين جمعتهما كرة القدم في عشرات المناسبات، قد لا تمنحهما اللعبة فرصة واحدة أخيرة كي يفترقا في الملعب نفسه.
وفي كرة القدم، بعض النهايات تُكتب في المواعيد..
وأخرى يسرقها الوقت.



