أقلام بوست

خريسات يكتب: هل تحتاج انتخابات نقابة المحامين إلى تحديث؟

عمان بوست – بقلم المحامي يزن وصفي خريسات

في كل دورة انتخابية لنقابة المحامين الأردنيين، يتكرر مشهد مألوف؛ مئات المحامين القادمين من مختلف محافظات المملكة يتجهون إلى مركز اقتراع واحد داخل العاصمة للمشاركة في انتخاب نقيبهم وأعضاء مجلس النقابة. هذا المشهد يعكس بلا شك حيوية الحياة النقابية وحرص المحامين على المشاركة في اختيار ممثليهم، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلاً مشروعاً: هل ما تزال آليات إدارة الانتخابات في النقابة مواكبة لحجمها الحالي وانتشار أعضائها في مختلف أنحاء المملكة؟

وتُعد نقابة المحامين الأردنيين من أقدم النقابات المهنية في المملكة، إذ تأسست عام 1950 وشكّلت منذ ذلك الحين أحد الأعمدة المؤسسية للمهنة القانونية في الأردن. وقد اعتمدت النقابة منذ نشأتها مبدأ الاقتراع المباشر من قبل الهيئة العامة لاختيار النقيب وأعضاء مجلس النقابة، وهو تقليد ديمقراطي راسخ يعكس طبيعة العمل النقابي القائم على المشاركة والتمثيل.

إلا أن التحولات التي شهدتها النقابة خلال العقود الأخيرة، سواء من حيث الزيادة الكبيرة في أعداد المحامين أو اتساع انتشارهم الجغرافي في مختلف المحافظات، تطرح تساؤلات متزايدة حول مدى ملاءمة الإجراءات التنظيمية الحالية لإدارة العملية الانتخابية.

والى اليوم، ما تزال الانتخابات تُدار وفق نموذج مركزي يعتمد على حصر عملية الاقتراع في مركز واحد داخل العاصمة. ورغم أن هذا النموذج كان مناسباً في مراحل سابقة عندما كان عدد المحامين أقل وانتشارهم الجغرافي محدوداً، إلا أن الواقع اليوم مختلف إلى حد كبير، في ظل وجود آلاف المحامين العاملين في مختلف محافظات المملكة.

ويترتب على هذا النموذج المركزي أعباء زمنية وجغرافية إضافية على شريحة واسعة من أعضاء الهيئة العامة، خصوصاً المحامين القادمين من خارج العاصمة، الذين يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للمشاركة في التصويت. كما أن يوم الانتخاب غالباً ما يمتد لساعات طويلة وقد يصل إلى ساعات متأخرة من الليل، في ظل ازدحام كبير وضغط تنظيمي واضح ما يؤثر ايضا على تواجد وحضور ومشاركة الزميلات نظراً لتأخر التصويت لساعات ما بعد منتصف الليل.

ورغم أن هذا الحضور الكثيف يعكس اهتمام المحامين بانتخابات نقابتهم، إلا أنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على الحاجة إلى تطوير الإجراءات التنظيمية للعملية الانتخابية بما يسهم في تسهيل المشاركة ويجعلها أكثر كفاءة وتنظيماً.

ويرتبط هذا الحق بمفهوم أوسع يعرف في الأدبيات القانونية بمفهوم العدالة الإجرائية. فالعدالة الانتخابية لا تعني فقط سلامة الاقتراع وفرز الأصوات، بل تشمل أيضاً تكافؤ الفرص بين جميع الناخبين في الوصول إلى صناديق الاقتراع والمشاركة فيها دون عوائق تنظيمية أو جغرافية.

وفي هذا السياق، أشارت تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان المتعلقة بانتخابات النقابات المهنية إلى عدد من الملاحظات المرتبطة بتنظيم العملية الانتخابية، ولا سيما ما يتعلق بمراكز الاقتراع وطول إجراءات التصويت وتأثير ذلك على ممارسة الحق في المشاركة.

وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة في ضوء التوجهات الوطنية التي برزت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد إطلاق منظومة التحديث السياسي عام 2021، والتي أكدت على ضرورة تعزيز المشاركة وتوسيع قاعدة التمثيل في المؤسسات المنتخبة، بما فيها النقابات المهنية.

ومن هذا المنطلق، فإن تطوير آليات إدارة الانتخابات في نقابة المحامين يمثل نقاشاً تنظيمياً مشروعاً يهدف إلى تسهيل المشاركة وتعزيز تمثيل الهيئة العامة بصورة أكثر توازناً.

وقد يكون من المفيد في هذا السياق دراسة عدد من الخيارات التنظيمية التي يمكن أن تسهم في تحقيق ذلك، من بينها توزيع مراكز الاقتراع على عدد من المحافظات، وإعادة تنظيم مدة الاقتراع بما يخفف من الضغط والازدحام، إضافة إلى تطوير أدوات إدارة العملية الانتخابية بما يتلاءم مع التطورات التنظيمية والتقنية الحديثة.

إن النقابات المهنية القوية هي تلك القادرة على مراجعة أدواتها التنظيمية باستمرار، وتطويرها بما يواكب التحولات التي يشهدها القطاع الذي تمثله. ونقابة المحامين الأردنيين، بتاريخها ومكانتها، تمتلك بلا شك القدرة على قيادة هذا النقاش بروح مؤسسية تعزز ثقة أعضائها وتدعم دورها في الحياة القانونية والعامة.

وفي نهاية المطاف، فإن تطوير الإجراءات التنظيمية للعملية الانتخابية لا يمثل مجرد مسألة إدارية، بل يشكل خطوة مهمة في مسار تعزيز المشاركة النقابية وترسيخ مبدأ التمثيل العادل داخل واحدة من أهم المؤسسات المهنية في الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى