د. الطراونة يكتب : دولة رئيس الوزراء… لا تجعلوا مكافحة الفساد شعارًا يُرفع… بل عدالةً تُطبَّق على الجميع

عمان بوست – بقلم د. علي الطراونة
دولة رئيس الوزراء،
حين تُعلن الدولة حربها على الفساد، فإن أول ما يترقبه المواطن ليس المؤتمرات الصحفية، ولا البيانات الرنانة، وإنما أن يرى ميزان العدالة قائمًا لا يميل، وسيف القانون مرفوعًا لا يفرق بين صاحب نفوذ ومواطن بسيط، ولا بين وزير وموظف، ولا بين قريب وبعيد.
إن معركة الفساد ليست معركة حكومة، بل معركة وطن بأكمله. وهي معركة لا تُكسب إلا عندما يقتنع الأردنيون أن لا أحد أكبر من القانون، وأن المنصب العام تكليف لخدمة الناس، لا بوابة للثروة، ولا وسيلة لبناء الإمبراطوريات المالية، ولا طريقًا لتوريث الامتيازات للأبناء والأقارب والأصدقاء.
نحن نقف معكم بكل قوة في محاربة الفساد… ولكننا نرفض أن تكون هذه الحرب انتقائية، أو موسمية، أو موجهة نحو أشخاص بعينهم، بينما تبقى ملفات أكبر وأخطر حبيسة الأدراج.
إذا كانت هناك محاسبة… فلتكن محاسبة شاملة.
محاسبة لكل وزير، ولكل مسؤول، ولكل صاحب قرار استغل سلطته ليجعل الوظيفة العامة ملكًا خاصًا يوزعها على أبنائه وأقاربه ومحاسيبه، بينما آلاف الشباب الأردنيين ينتظرون فرصة عمل يستحقونها بكفاءتهم، لا بوساطاتهم.
محاسبة لكل من اعتدى على أراضي الدولة، أو سهل الاستيلاء عليها، أو استغل نفوذه وعلاقاته للحصول على ما ليس من حقه. فأراضي الدولة ليست إرثًا عائليًا، بل هي ملك لكل أردني، والتفريط بها اعتداء على حاضر الوطن ومستقبله.
محاسبة لكل من حوّل الوزارة إلى مكتب لخدمة المصالح الخاصة، ولكل من استخدم نفوذه لتمرير العقود والمناقصات والامتيازات لأشقائه أو أقاربه أو شركائه عبر مسؤولين آخرين، فحُرم أصحاب الكفاءة، وضاعت المنافسة العادلة، وأُهدر المال العام.
محاسبة لكل من منح رخصًا أو تراخيص أو امتيازات استثمارية بدافع المنفعة الشخصية أو الشراكات الخفية أو تبادل المصالح، بينما بقي مستثمرون ومواطنون على أبواب المؤسسات ينتظرون حقًا كفله لهم القانون، لكنهم لم يملكوا مفتاح الواسطة.
محاسبة لكل من لجأ إلى التلزيم أو استغل صلاحياته في ترسية العطاءات على أصدقاء أو أقارب أو متنفذين، إن ثبت وقوع مخالفات، لأن المال العام ليس غنيمة، بل أمانة في أعناق المسؤولين.
ولا تكتمل منظومة النزاهة إلا بتفعيل قانون “من أين لك هذا؟”، باعتباره أداة قانونية لحماية المال العام وتعزيز الثقة بالمؤسسات. فمن حق المواطن أن يطمئن إلى أن أي زيادة كبيرة في الثروة لدى من يتولى مسؤولية عامة تخضع للمساءلة وفق أحكام القانون والإجراءات القضائية، متى وجدت المبررات لذلك. فليس مقبولًا أن يتحول المنصب العام إلى وسيلة للثراء غير المبرر، بينما يبقى المواطن يكافح لتأمين أساسيات الحياة.
دولة الرئيس…
لقد تعب الأردنيون من رؤية أصحاب النفوذ يخرجون من كل أزمة بلا مساءلة، بينما تُطبق القوانين بكل صرامة على الضعفاء. وهذه الصورة، إن وُجدت، لا تضعف هيبة الدولة فحسب، بل تضعف ثقة الناس بمؤسساتها.
إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما بعدد القوانين التي تطبقها بعدل. وهيبة الدولة لا يصنعها الخوف، وإنما تصنعها العدالة. أما الثقة فلا تُشترى بالخطابات، بل تُبنى حين يرى المواطن أن القانون يقف على المسافة نفسها من الجميع.
إن الرسالة التي ينتظرها الأردنيون اليوم بسيطة وواضحة:
لا أحد فوق القانون.
لا حصانة لفاسد.
لا حماية لمرتشٍ.
لا غطاء لمستغل المنصب.
ولا مكان لمن جعل الوظيفة العامة وسيلة للإثراء أو للمحاباة أو لتصفية الحقوق بين الناس.
إن محاربة الفساد ليست انتقامًا من الأشخاص، بل إنقاذًا للوطن. وليست تصفية حسابات، بل تصحيحًا للمسار. وهي ليست معركة ضد أفراد، بل معركة من أجل حماية الدولة، وصون المال العام، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والعدالة.
دولة رئيس الوزراء…
إن التاريخ لا يتذكر عدد الحكومات التي تعاقبت، بل يتذكر من امتلك شجاعة القرار، وفتح الملفات بلا تردد، واسترد المال العام، وأثبت أن الدولة لا تخضع للنفوذ، ولا للمصالح، ولا للأسماء الكبيرة.
فإن أردتم أن يستعيد المواطن ثقته، فليكن عنوان المرحلة واضحًا لا يحتمل التأويل:
لا انتقائية في المحاسبة… ولا خطوط حمراء أمام العدالة… ولا حماية إلا للقانون.
تحياتي
د علي الطراونة



