الخلايلة يكتب: الأردن.. ثمانون عاماً من العبور نحو الخلود.. سردية وطن لا ينحني

عمان بوست – بقلم عمر الخلايلة
ثمانون عاماً مضت، والأردن يتساءل في سرٍّ عميق: كيف يبقى وطنٌ شامخاً بينما تتهاوى الأوطان من حوله؟ الإجابة تتجاوز خرائط الجغرافيا وثروات الأرض، لتكمن في امتلاك الدولة لقصتها الخاصة؛ فنحن نعيش في سرديةٍ حية، تدرك بعمقٍ أصولها ومساراتها نحو المستقبل، متكئةً على إرثٍ عابرٍ للأزمان، فقد تجاوزت الدولة مئويتها الأولى منذ سنين، لتؤسس بذلك رصيداً من الحكمة والتجربة الذي جعل من ثمانين عاماً على الاستقلال امتداداً لمشروعٍ وطنيٍّ بدأ قبل قرنٍ من الزمان.
في الخامس والعشرين من أيار عام 1946، شكل إعلان استقلال المملكة ميلاداً حقيقياً لفكرة الدولة الحديثة، التي انبثقت من جذورٍ هاشميةٍ ضاربةٍ في التاريخ. ومنذ الملك المؤسس عبدالله الأول، ترسخت قناعةٌ راسخة بأن الأردن مشروعٌ نهضوي إنساني، تُقاس فيه الدولة برقيّ إنسانها قبل وفرة مواردها، مستندةً إلى إرثٍ حضاري تراكم عبر العقود ليصنع شخصية الأردن الفريدة.
وعلى مدى ثمانية عقود، ظلت القيادة الهاشمية بوصلة الأمان؛ حيث تأسست العلاقة بين الحاكم والمحكوم على قيم الشراكة والعدالة. وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، تكرست معادلة الثبات والتجدد، مدركاً جلالته أن حصانة الوطن تُصان بتطوير المؤسسات وتمكين الشباب والانفتاح على اقتصاد المعرفة، بعقلٍ يقرأ المستقبل ويخطو نحوه بثقةٍ استمدها من إرث المئوية وما تلاها.
في هذه المرحلة المفصلية، جاء مشروع السردية الأردنية استجابةً لرؤية سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الهادفة إلى توثيق الإرث الحضاري الأردني الممتد عبر العصور، وصياغة رواية وطنية معاصرة تعكس مكانة الأردن التاريخية، وتخاطب الأجيال الشابة بلغة وأدوات رقمية حديثة، ليكون هذا المشروع جسراً يربط عراقة الأجداد بطموح الجيل الجديد، ويوثق ذاكرة وطنٍ تجاوزت تجربته المئة عام.
إن الاستقلال فعلٌ يوميٌّ متجدد؛ يظهر في إبداع المهندس، وعطاء المعلم، وبسالة الجيش العربي والأجهزة الأمنية الذين ظلّوا رمزاً للكرامة ودرعاً للثقة، فهؤلاء هم أعمدة القصيدة الأردنية، الذين جعلوا من الاستقرار إنجازاً أسطورياً، ليقف الأردن نموذجاً فريداً في الاعتدال، ودولةً عظيمةً برسالتها رغم صغر مساحتها.
ثمانون عاماً ونحن نرفع العلم، إيماناً بحقنا في المستقبل، فحين نتساءل عن سرّ بقاء هذا الوطن، تجيبنا سرديتنا: إنها قوة الوعي، وعزيمة البناء، واليقين المطلق بأن هذا الوطن يستحق، والأهم من كل ذلك وجود قيادةٍ حكيمة، ورثت الحكمة عبر مئة عام، لتقودنا بثباتٍ نحو مئويةٍ جديدة.
حفظ الله الأردن وقيادته، وكل عام والوطن بألف خير.



